الصفحة 12 من 33

ولم يمنَعه هذا الدعاء من الاعتراف بمكانة هذه الإبل الحنَّانة إلى موطنها من نفسه، وعند الحكماء الذين قالوا:"وأكرم الإبل أشدُّها حنينًا إلى أوطانها" [1] ، وهو الذي أحب وطنه ولازمه كالخلِّ الوفي الذي إن قُدِّر له الفراق؛ فإنه فراق قصير لا يدوم، ولذلك رأينا المعري يصوِّر"مضاهاة افتراقه للمعرة بمضاهاة فراق حرف الواو للفعل (وعد) حين يُصاب بالإعلال ... وإذا كان الإعلال يطول في الفعل فإن غيابه عن المعرة مؤقت" [2] ، وذلك في قوله [بسيط] [3] :

إِذَا غَدَوْتَ عَنِ الأَوْطَانِ مُرْتَحِلًا = فَضَاهِ فِي الْبَيْنَ حَذْفَ الْوَاوِ مِنْ يَعِدِ

كَانَتْ فَبَانَتْ وَمَا حَنَّتْ إِلَى وَطَنٍ = وَعَادَ غَادٍ إِلَى وَكْرٍ وَلَمْ تَعُدِ

سَعِدْتَ إِنْ كُنْتَ بَحْرًا فَائِضًا بِجَدًا = وَالْبَحْرُ لَيْسَ بِمَحْسُوبٍ مِنَ السُّعُدِ

ولعل هذه الملازمة وما استدعَته من الحنين للمعرة عند فراقها، وما رآه من حنين الإبل رفيقته في الحل والترحال - هو ما جعله يرضى بما أتت من مظاهر الحنين إلى الوطن؛ ولذلك قال [طويل] [4] :

وَلَوْلاَ حِفَاظِي قُلْتُ لِلْمَرْءِ صَاحِبِي = بِسَيْفِكَ قَيِّدْهَا فَلَسْتُ أُبَالِي

أَأَبْغِي لَهَا شَرًّا وَلَمْ أَرَ مِثْلَهَا = سَفَائِرَ لَيْلٍ أَوْ سَفَائِنَ آلِ

وهذا الاتكاء على البديل الموضوعي للتعبير عن الحنين إلى الوطن نراه عند شوقي الذي يصور حالة قلبه كلما رأى السفن تهمُّ بمغادرة ميناء برشلونة، فيقول [5] :

مُسْتَطَارٌ إِذَا الْبَوَاخِرُ رَنَّتْ = أَوَّلَ اللَّيْلِ أَوْ عَوَتْ بَعْدَ جَرْسِ

رَاهِبٌ فِي الضُّلُوعِ لِلسُّفْنِ فَطْنٌ = كُلَّمَا ثُرْنَ شَاعَهُنَّ بِنَقْسِ

(1) الجاحظ: رسالة الحنين إلى الأوطان ضمن كتاب رسائل الجاحظ - تحقيق وشرح عبدالسلام هارون 2/ 389 - مكتبة الخانجي - القاهرة - 1964 م.

(2) د/ حسين جمعة: الاغتراب في حياة المعري وأدبه - مجلة جامعة دمشق مج 27 - ع 1 - 2/ 2011 م ص 38.

(3) المعري: لزوم ما لا يلزم 1/ 378 - دار صادر - بيروت - د. ت.

(4) شروح سقط الزند 3/ 1170 - 1171.

(5) الشوقيات 2/ 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت