إنها الصورة التي تجول بين عالم الطير والإنس، مستدعيةً منهما كل الأحوال الدالة على الفزع والاضطراب، والحبسِ المأمولِ منه التحررُ؛ فقلبه طيرٌ مستطار، مفزوع من رؤية السفن، تدخل الميناء موزعة أصواتها بين الرنين الباعث على اللهفة، والعواء الباعث على الرهبة، في مناخ زمني لا يقل رهبة عن عواء السفن المستدعي صوت الذئاب، وما تغرسه في النفس من الخوف والفزع الباعث على القرار والقبوع في المكان؛ كالرهبان في الأديرة، يباشرون طقوسهم التعبدية، في حين يباشر هذا القلب طقوس اللهفة المنتبهة للسفن المغادِرة، لا تشيعها إلا بضربات القلب"الراهب المضطرب في قفص ضلوع صدر الشاعر، وهو بصفته هذه - فطن - للذي يضمره صدر الشاعر، مثلما هو فطن لما في داخل تلك السفن الظُّعُن، بل وثمة معادل موضوعي إضافي أنيق الصيغة في هذه الصورة، وهو أن ضلوع الصدر هي أيضًا ضلوع هيكل سفينة مصممة تصميمًا هندسيًّا تقليديًّا" [1] ، تستدعي تقليديتُه صعوبة الحبس وقسوتَه.
وهو لا يقنع بأن تكون السفن عُنصرًا مهمشًا في لوحته الفنية تلك، وإنما يستدعيها إلى بؤرة الصورة ومركزها؛ لتنفعل معه وجدانيًّا عندما يشكو لها ظلم أبيها - البحر - وظلمه إياه عندما لا يتركه يعود إلى وطنه، فيقول [2] :
يَا بْنَةَ الْيَمِّ مَا أَبُوكِ بَخِيلٌ = مَا لَهُ مُولَعًا بِمَنْعٍ وَحَبْسِ
أَحَرَامٌ عَلَى بَلاَبِلِهِ الدَّوْ = حُ حَلاَلٌ لِلطَّيْرِ مِنْ كُلِّ جِنْسِ
كُلُّ دَارٍ أَحَقُّ بِالأَهْلِ إِلاَّ = فِي خَبِيثٍ مِنَ الْمَذَاهِبِ رِجْسِ
نَفَسِي مِرْجَلٌ وَقَلْبِي شِرَاعٌ = بِهِمَا فِي الضُّلُوعِ سِيرِي وَأَرْسِي
وَاجْعَلِي وَجْهَكِ الْفَنَارَ وَمَجْرَا = كِ يَدَ الثَّغْرِ بَيْنَ رَمْلٍ وَمَكْسِ
(1) ياروسلاف استتكيفتش: سينية أحمد شوقي وعيار الشعر العربي الكلاسيكي - مجلة فصول - مج 7 - ع 1، 2 - أكتوبر 1986 - مارس 1987 م - ص 25 - الهيئة المصرية العامة للكتاب.
(2) الشوقيات - السابق الصفحة نفسها.