الصفحة 9 من 25

يقول العلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى:"إن إباحة التحدث عنهم فيما ليس عندنا دليل على صدقه ولا كذبه شيء، وذكر ذلك في تفسير القرآن وجعله قولا أو رواية في معنى الآيات أو تعيين ما لم يعين فيها أو تفصيل ما أجمل فيها شيء آخر، لأن في إثبات مثل ذلك بجوار كلام الله ما يوهم أن هذا الذي لا نعرف صدقه من كذبه مبين لمعنى قول الله سبحانه ومفصل لما أجمل فيه، وحاشا لله ولكتابه من ذلك. وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أذن بالتحدث عنهم أمرنا ألا نصدقهم ولا نكذبهم، فأي تصديق لرواياتهم وأقاويلهم أقوى من أن نقرنها بكتاب الله ونضعها موضع التفسير أو البيان؟ اللهم غفرا"-مقدمة عمدة التفسير-.

الفصل الثالث: تسلل الإسرائيليات إلى كتب التفسير ومناهج المفسرين في روايتها

بدأ تسلل الإسرائيليات إلى التفسير منذ عصر الصحابة رضي الله عنهم، لكنه اشتد في عصر التابعين ومن بعدهم، حتى صارت كثير من كتب التفسير مشحونة بها، لكن هذا لا يعني أن المفسرين كان لهم جميعا نفس المنهج في التعامل مع هذا النوع من الدخيل، بل كانت لهم مناهج وطرق مختلفة في ذلك.

المبحث الأول: تسلل الإسرائيليات إلى كتب التفسير

لا شك أن القرآن الكريم يشترك مع الكتب المتقدمة خاصة الإنجيل والتوراة في بعض المسائل، كأصول العقائد وبعض قصص الأنبياء وغيرها، لكن مع فارق كبير بين القرآن وهذين الكتابين في تناول هذه الأمور، وأخص بالذكر جانب القصص، ففي الوقت الذي نجد فيه القرآن الكريم يسلك مسلك الإيجاز والاختصار ولا يهتم إلا بما ينفع في العظة والاعتبار، نجد التوراة والإنجيل يفصلان تفصيلا كبيرا، ومن الأمثلة على ذلك قصة آدم عليه السلام وقصة عيسى عليه السلام وغيرها، نجد التوراة والإنجيل يذكران تفصيلات دقيقة في هذه القصص، ومن المعلوم أن من مصادر الصحابة رضي الله عنهم في التفسير اللجوء إلى أهل الكتاب، فربما يرى الصحابي إيجازا في قصة نبي من الأنبياء فيسأل بعض مسلمة أهل الكتاب عن تفصيلها لتتضح أكثر، ويكون هذا الذي أخبره لا زال متأثرا بثقافته الأولى-ثقافة أهل الكتاب-.

يقول الدكتور محمد حسين الذهبي في كتابه التفسير والمفسرون:"ولما كانت العقول دائمًا تميل إلى الاستيفاء والاستقصاء، جعل بعض الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - يرجعون في استيفاء هذه القصص التي لم يتعرض لها القرآن من جميع نواحيها إلى مَن دخل في دينهم من أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، وغيرهم من علماء اليهود والنصارى .."2/ 11.

لكن الصحابة كانت لهم موازين يزنون بها ما يسمعونه من أهل الكتاب، كما كانوا لا يسألونهم عن أمور العقيدة أو ما صح فيه شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ما يكون السؤال عنه من قبيل العبث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت