وفي رواية أخرى عند مسلم أيضًا: فقلت: يا رسول الله هو حر لوجه الله، فقال: أما لو لم تفعل للفحتك النار أو لمسَّتك النار"."
وقال بعض الحكماء: من ذكر قدرة الله لم يستعمل قدرته في ظلم عباد الله.
وقال عبد الله بن مسلم بن محارب لهارون الرشيد:
يا أمير المؤمنين، أسألك بالذي أنت بين يديه أذل مني بين يديك، وبالذي هو أقدر على عقابك منك على عقابي إلا عفوت عني، فعفا عنه لما ذكَّرهُ قدرة الله تعالى.
وقال رحاء بن حيوة لعبد الملك بن مروان لما تمكن من بعض أعدائه وأَسَرَهُم:
إن الله قد أعطاك ما تحب من الظفر، فأعط الله ما يحب من العفو.
لذا ينبغي علينا أن نتحلى بالحلم والأناة والرفق وأن نعفو ونصفح ونعرض عمن جهل علينا من الجاهلين حتى يعفوَ عنا أرحم الراحمين.
وهو القائل في محكم التنزيل: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (النور: 22) .
وجاءت الأدلة القرآنية والأحاديث النبوية تشير بقوة على هذا الأصل الأصيل
كما قال تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران:134)
وقال تعالى: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (الشورى: 43) .
وقال تعالى: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} (الحجر:85) .
وقال تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (الأعراف: 199) .
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} (الشورى: 37) .
فيكون المعنى؛ والذين تسلط عليهم الغضب ملكوا أنفسهم فلم يعاقبوا بقول أو بفعل.
قال السعدي - رحمه الله - في تفسير الآية:
أي: تَخَلَّقُوا بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم فصار الحلم لهم سجية، وحسن الخلق لهم طبيعة، حتى إذا أغضبهم أحد بمقالة أو فعلة كظموا ذلك الغضب، فلم ينفذوه بل غفروا له، ولم يقابلوا المسئ إلا بالإحسان والعفو والصفح، فترتب على هذا العفو والصفح من المصالح ودفع المفاسد في أنفسهم وغيرهم شيء كثير.
كما جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه:
"أن رجلا قال: يا رسول الله، إن لي قرابةً أَصِلَهُم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ، وأحلُمُ عنهم ويجهلون عليّ، فقال: لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم الملّ، ولا يزال معك من الله تعالى ظهير عليهم ما دمت على ذلك".
-تسفهم المل: تجعلهم يسفون الرماد الحار. - الظهير: معين.