وينشأ من ذلك كثير من الأفعال المحرمة: كالقتل والضرب وأنواع الظلم والعدوان، وينشأ من ذلك أيضًا كثير من الأقوال المحرمة: كالقذف والسب والفحش وربما إلى درجة الكفر.
وهكذا الغضب يفعل بأهله، فالغضب داء عضال، ومرض قلبي خطير استشرى بين أبناء المسلمين
فكم ضاع من خير وأجر وفضل من أجل الغضب!
وكم حلَّت من مصيبةٍ ودمارٍ وهلاكٍ من أجل الغضب!
وكم وقعت من خصومات ومشاجرات من أجل الغضب!
وكم قطعت من صدقات من أجل الغضب!
وكم تعادى الإخوان وتهاجر الجيران من أجل الغضب!
وكم قُطِّعَتْ من أرحام من أجل الغضب!
وكم طُلِّقَتْ من زوجات من أجل الغضب!
وكم زُجّ بقوم في السجون بسبب الغضب!
وكم أُزْهِقَتْ من أرواح وقتل أبرياء بسبب الغضب!
فقد أخرج الإمام مسلم عن علقمة بن وائل عن أبيه قال:
"إني لقاعِدٌ مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل يقود آخر بِنَسْعَةٍ، فقال: يا رسول الله، هذا قتل أخي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقتلته؟ فقال الرجل: إنه لو لم يعترف أقمت عليه البينة، قال: نعم قتلته، قال: كيف قتلته؟ قال: كنت أنا وهو نَخْتَبِطُ من شجرة فسبّني فأغضبني، فضربته بالفأس على قرنه فقتلته".
النَّسْعَة: حبل من جلود مضفورة.
يختبط: يجمع الخبط وهو ورق الثمر، بأن يضرب الشجر بالعصا فيسقط ورقه فيجمعه علفًا.
وهناك خبر ذاع بين الناس وانتشر عن قضية قتل، فقد أدى اختلاف على جنيه واحد بين بائع ومشتري إلى أن قام المشتري بضرب البائع بحديدة كانت بجواره فشجَّ بها رأس البائع الذي نزف حتى الموت، وحكم على القاتل بالإعدام، ونفذ الحكم فيه، والسبب ليس الجنيه كما يظن البعض بل السبب هذا الداء العضال وهو الغضب الذي هو أصل كل معصية.
وصدق ابن القيم - رحمه الله - حيث يقول كما في زاد المعاد (2>463) :
"ولما كانت المعاصي كلها تتولد من الغضب والشهوة وكان نهاية قوة الغضب القتل، ونهاية قوة الشهوة الزنا، جمع الله تعالى بين القتل والزنا، وجعلهما قرينين في أكثر من سورة من القرآن، كما قال تعالى:"
{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا}