وقال الفرزدق:
مِنَ الدارميِّين الذين دِماؤهُمْ شِفاءٌ من الدَّاء المَجنّة والخبْلِ [1]
و قال أيضًا:
ولو تَشربُ الكَلْبى المِرَاضُ دماءَنا = شَفَتْها وذو الخَبْلِ الذي هو أدْنَفُ [2]
ويزعمون أيضًا أن دماء الملوك تشفي من الجنون، كما في بيت الفرزدق الثاني، وكما في شعر الجاهلي عاصم بن القِرِّيَّة:
وداويتُهُ مما بِهِ من مَجَنةٍ = دمَ ابنِ كُهالِ والنِّطاسيُّ وَاقفُ
وقَلَّدْتُه دَهْرًا تميمةَ جَدِّه = وليس لِشيءِ كادَهُ اللَّهُ صارفُ [3]
نقل الجاحظ عن بعضهم معنى مجازيًا مرادًا بهذا الزعم، قال:"كان أصحابنا يزعُمون أنَّ قولهم:"دماء الملوك شفاءُ من الكلب"، على معنى أنَّ الدَّم الكريم هو الثأرُ المُنيم، وأنَّ داء الكلب على معنى قول الشاعر:"
كَلِبٌ مِن حِسِّ ما قد مسَّهُ = وأفانينِ فُؤاد مُخْتَبلْ
وعلى معنى قوله: كَلِبٌ بِضرْبِ جَماجمٍ ورِقابِ
فإذا كَلِبَ من الغيظ والغضب فأدرك ثأره فذلك هو الشفاء من الكَلَب، وليس أنَّ هناك دمًا في الحقيقة يُشربُ، ولولا قول عاصم بن القرِّيَّة:"والنِّطاسيُّ واقفُ"، لكان ذلك التأويلُ جائزًا. وقول عوف بن الأحوص:
ولا العنقاءُ ثعلبة بن عمرو = دِماءُ القَومِ للكَلْبَى شِفاءُ
وفي الكلب يقول الأعشى:
(1) الحيوان 2/ 6.
(2) الحيوان 2/ 7.
(3) الحيوان 2/ 7. وكاده الله: أراده.