الصفحة 15 من 42

المطلب الثاني

أثر الحدود السياسية في اختلاف المطالع

لم يفكِّر أحدٌ مِن فقهاء المذاهب - الذين اعتبَروا اختلاف المطالع في رؤية الهلال - في أن للحدود السياسية أو للاختلافات المذهبية أو الطائفية أثرًا - قلَّ أو كثر - في هذه المسألة، وإنما كان الأساس في بناء رأيِهم هو حديث كُريب الذي رأى الهلال في دمشق ليلة الجمعة، بينما رآه أهل المدينة ليلة السبت، ومعلوم أن الوحدة السياسيَّة كانت تجمع بين الشام والحجاز.

واجتهد العلماء - بعد ذلك - في وضع ضابطٍ يحدِّد الزمان أو المكان الذي يدخل في مجال الرؤية أو يخرج عنها، فرأى بعضُهم أنه يعتبر بحسب مطالع الشمس والقمر، ورأى بعضٌ آخر اعتبار القرب والبعد بحسب الأقاليم الجغرافية - وليس الحدود السياسية - ورأى غيرُهم اعتبار مسافة القَصر بين الإقليمين (وهذه المسافة مختلَفٌ في تقديرها) .

هذا الضابط الاجتهادي بُني على ما كان متاحًا لدى الفقهاء من معرفةٍ وتقدير، فإذا تطوَّرَت هذه المعرفة بتطور الأسباب والأجهزة والوسائل، فلا يوجد ما يمنع من تغيُّر الاجتهاد، ووضع ضابط يخضع لثوابت العلم والمعرفة، وقديمًا قال الفقهاء:"لا يُنكَر تغير الأحكام بتغير الأزمان" [1] .

نقول هذا بمناسبة ما نراه في العالم الإسلامي المعاصر من تشرذم وتناحر وابتعادٍ عن تعاليم الإسلام، وما اعترى المسلمين - أفرادًا وحكوماتٍ وفِرَقًا - من قلة الوازع الديني لديهم، وتحكُّم الأغراض الدنيوية والسياسية في سلوكهم وأهدافهم، وانعكس ذلك على قرارات الهيئات المخوَّلة بإثبات رؤية الهلال، فتصدر الفتوى بلزوم العمل برؤية هذه الدولة الصديقة، وعدم اعتبار الرؤية في دولة غير صديقة، حتى ولو كانت جميع الضوابط التي وضعها الفقهاء وقرَّرها العلم تجمع هذه الدول على رؤية واحدة، من غير اعتبارٍ للحق ولا تحرٍّ للصواب، والله الهادي إلى سواء الصراط [2] .

(1) الزيلعي، تبيين الحقائق: 5/ 125، القرافي، الفروق: 1/ 176، ابن حجر، فتح الباري: 4/ 321، ابن القيم، إعلام الموقعين: 3/ 1، وانظر المادة (39) من مجلة الأحكام العدلية وشروحها.

(2) عبدالله بن حميد، تبيان الأدلة في إثبات الأهلة، دار البخاري، ص 50 - 51.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت