الصفحة 37 من 42

المطلب الرابع

الفرق بين العمل بالحساب في الصلاة والصيام

فرَض الله تعالى على المسلمين خمسَ صلوات موزَّعة على مدار اليوم، ونصَب زوال الشمس سببًا لوجوب الظهر، وغروبَها سببًا لوجوب المغرب، وطلوعَ الفجر سببًا لوجوب الصبح، وأرسل جبريلَ بعلامات محددة تبين وقت العصر ووقت العشاء؛ قال تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} [الإسراء: 78] ، وقال عز من قائل: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ} [الروم: 17، 18] .

قال المفسِّرون: هذا خبر معناه الأمرُ بالصلوات الخمس في هذه الأوقات؛ حين تمسون: المغرب والعشاء، وحين تصبحون: الصبح، وعشيًّا: العصر، وحين تظهرون: الظهر.

والصلاة تسمى: سُبحة؛ فالآية أمرٌ بإيقاع الصلوات في أوقاتها، وجاءت السُّنة العملية بتأكيد هذه الأوقات وتوضيحها، مما يدلُّ على أن نفس الوقت سبب، فمَن علم السبب بأي طريق كان لزمَه حكمُه؛ فلذلك اعتمد المسلمون الحساب المفيد للقطع في أوقات الصلوات؛ امتثالًا لقول الله عز وجل: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} [الإسراء: 12] .

وفرض الله تعالى على المسلمين صومَ شهر رمضان، ونصَب رؤية الهلال سببًا لشهود الشهر ووجوب الصوم، وجاءت السُّنة العمَلية بتأكيد سبب الصوم؛ وهو رؤية الهلال خارجًا عن شعاع الشمس، فقال صلى الله عليه وسلم: (( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ) )، ولم يقل: صوموا وأفطروا لنفس خروج الهلال عن شُعاع الشَّمس؛ فخروج الهلال عن شُعاع الشمس ليس هو سببَ الصوم، كما في الصلاة التي جعل سببها"دلوك الشمس"، فإن خفيَت الرؤية - (( فإن غُم عليكم - فأكملوا العدة ثلاثين ) )، وفي رواية: (( فاقدُروا له ) )، فنصَب الشارع الحكيم رؤيةَ الهلال أو إكمالَ العدَّة ثلاثين - سببًا لوجوب الصوم، ولم يتعرَّض لخروج الهلال عن شعاع الشمس [1] .

(1) القرافي، الفروق: 2/ 179.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت