المبحث الرابع
المجامع الفقهية وقضية إثبات الأهِلَّة
منذ أضاء نور الإسلام، وانتشرت هدايته في شتى البِقاع، وجَمعَت بلادَه وَحدةٌ دينية وسياسية، والمسلمون في كل إقليم يصومون لرؤية الهلال ويُفطرون لرؤيته متى ثبتَت هذه الرؤية لديهم، ولم نسمع أن أحدًا أطلَق صيحاتِ استنكارٍ بسبب اختلاف المسلمين في صومهم وفِطرهم؛ تبعًا لاختلاف الْمَطالع عندهم.
فلمَّا أصاب المسلمين داءُ الشِّقاق والتشَرذُم، وانضوَوا تحت كِيانات مستقلَّة مصطنَعة، وتمكَّن الهوى من أفئدتهم وسيطر على تصرُّفاتهم، فخالفوا أقربَ جيرانهم في مواقيت أعيادهم؛ نتيجةَ الاختلاف معهم في الاتِّجاه المذهبيِّ أو السياسي، حينئذٍ عمَّت فوضى الاجتهاد، وادَّعى من لا خَلاق لهم رؤيةَ الهلال - مع استحالة رؤيته عِلميًّا - وصادفَت دعواهم هوًى في نفوس بعض المسؤولين؛ ليَزيدوا من شُقَّة الخِلاف، حتى أعلنَت بعض البُلدان الإسلامية الصومَ والفطرَ بفارق يومين أو ثلاثة عن بُلدان تشترك معها في المَطالع أو في جُزء من الليل، مما يستحيل تصوُّره عقلًا.
لهذا - ولغيره من الأسباب - دعا بعضُ الحكماء من أصحاب الغَيرة على هذا الدين وأهلِه إلى محاولة جمع شَمل المسلمين، وإخضاعِ الفتوى لاجتهاد جماعيٍّ، يلتقي فيه العالِم الفقيه مع العالِم في الاجتماع أو الاقتصاد أو الطبِّ أو الفلَك أو غير ذلك من العلوم والفنون، يبحثون النازلةَ بتجردٍ وموضوعية في ظلِّ التطوُّر المذهِل الذي تشهدُه كافة ميادين العلم والمعرفة، وتنقُله وسائل الاتصال - لحظةَ وقوعه - إلى كل أرجاء المعمورة.
وقد انعكس شيءٌ من ذلك على موضوع هذا البحث، فانعقدَت عدَّة مؤتمرات وندوات لبحث قضية إثبات الأهلَّة؛ نذكر منها على سبيل المثال:
(1) مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر: 1386 هـ - 1966 م، وكذلك قرار اللجنة الشرعية الفلَكية بالأزهر برئاسة الشيخ محمود شلتوت: 1979 م.
(2) مؤتمر توحيد أوائل الشهور العربية: ماليزيا 1389 هـ.
(3) لجنة التقويم الهجري الموحَّد، الدورة السادسة: إستنبول 1398 هـ - 1978 م.
(4) المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة: 1400 هـ (بيان توحيد الأهلة من عدمه) ، 1401 هـ (القرار) .