والسلام: (لا يجتمعان في قلب عبدٍ في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مما يخاف) فأحكموا عواطفكم، واعتدلوا في اندفاعاتكم، لا نريد الشباب الذين توسع معهم باب الرجاء، حتى ترك الصلاة وقال: ربي غفور رحيم! فعل الحرام وقال: ربي غفور رحيم! أقبل على المعاصي وما حدث نفسه بالتوبة وقال: ربي غفور رحيم! نعم {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ 49} وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ الحجر 49 - 50، فخف من الله، خف من الله سبحانه وتعالى، لا نريد شبابًا بالغوا في الغلو، حتى شطحوا ووسوسوا، وظنوا أن لا سبيل إلى رحمة الله، فقنطوا من رحمة الله عز وجل، وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم، فما رجعوا إلى الله سبحانه وما استغفروا، لا، لنتزن ـ يا معاشر الشباب ـ لنتزن في انفعالاتنا، لنتزن في عواطفنا، لنتزن في شهواتنا، لنتزن في غضبنا، المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله، والشديد ليس الشديد بالصُّرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، فلنضبط هذه الانفعالات، وهذه العواطف، حتى لا تنحرف بنا.
عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كنت غلامًا شابًا عزبًا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنت أبيت في المسجد، فكان من رأى منا رؤيا يقصها على النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: اللهم إن كان لي عندك خير؛ فأرني رؤيا يعبرها لي النبي صلى الله عليه وسلم، فنمت، فرأيت ملكين أتياني فانطلقا بي، فلقيهما ملك آخر، فقال: لم ترع، فانطلقا بي إلى النار؛ فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا فيها ناس قد عرفت بعضهم، فأخذوا بي ذات اليمين، فلما أصبحت ذكرت ذلك لحفصة، فزعمت حفصة أنها قصتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (إن عبد الله رجل صالح لو كان يكثر الصلاة من الليل) ، قال: فكان عبد الله يكثر الصلاة من الليل، فانظر لنفسك، لعل الله ذكرك بمثل هذه الذكرى، ووعظك بمثل هذه الرؤيا، رؤيا خير، ورؤيا هداية ودعوة إلى الصلاة، فأكثر من الصلاة، وأكثر من العبادة، وعد بنفسك إلى الإكثار من طاعة الله.
وهذا عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما يقول: جمعت القرآن في ليلة، قرأ القرآن في ليلة، فقال لي عليه الصلاة والسلام: (إن أخاف أن يطول بك زمان فتمل، فاقرأ القرآن في شهر) فقلت: يا رسول الله، دعني أستمتع بقوتي وشبابي، انظر يستمتع بطاعة الله؛ يتلذذ بالقرب من الله، هؤلاء شباب الصحابة، فقال عليه الصلاة والسلام: (فاقرأه في عشر) فقال: يا رسول الله، دعني أستمتع بقوتي وشبابي، فقال عليه الصلاة والسلام: (اقرأه في سبع) فقلت: يا رسول الله، دعني أستمتع بقوتي وشبابي، فأبى، أبى عليه الصلاة والسلام؛ فلا تنحرف بعواطفك إلى الزيادة والغلو، وما لا تستطيع، والزم هدي رسولك صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إياك أن تقنط من رحمة الله، وإياك أن توسع دائرة الرجاء في جنب الله، وأنت مصر على المعصية والذنب، وزن نفسك، زن نفسك بطاعة الله سبحانه وتعالى.