هنالك رفع الرسول - صلى الله عليه وسلم - كفَّيه المبسوطتين إلى السماء، وقال: (( اللهم انصر خبَّابًا ) ).
ويشاء الله ألا تمضي سوى أيام قليلة حتى ينزل بأم أنمار قِصَاص عاجل، كأنما جعله القدر نذيرًا لها ولغبرها من الجلاَّدين، ذلك أنها أُصِيبت بسُعار عصيب وغريب جعلها - كما يقول المؤرخون - تعوي مثل الكلاب! وقيل لها يومئذ: لا علاج سوى أن يُكْوَى رأسها بالنار، وهكذا شهد رأسها العنيد سطوة الحديد المحمَّى يصبحه ويمسيه [1] .
كانت قريش تُقاوم الإيمان بالعذاب، وكان المؤمنون يُقاوِمون العذاب بالتضحية، وكان خبَّاب واحدًا من أولئك الذين اصطفاهم الله ليجعل منهم أساتذةً في فن التضحية والفداء، ومضى خبَّاب ينفق وقته وحياته في خدمة الدين الذي خفقت أعلامه، ولم يكتفِ - رضي الله عنه - في أيام الدعوة الأولى بالعبادة والصلاة، بل استثمر قدرته على التعليم؛ فكان يغشى بيوت بعض إخوانه من المؤمنين الذين يكتمون إسلامهم خوفًا من بطش قريش، فيقرأ معهم القرآن ويعلمهم إياه.
لقد نبغ في دراسة القرآن وهو يتنزل آيةً آيةً وسورةً سورةً، حتى إن عبدالله بن مسعود - وهو الذي قال عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( مَن أراد أن يقرأ القرآن غضًّا كما أُنْزِل فليقرأه بقراءة ابن أم عبد ) )- كان يعتبر خبَّابًا مرجعًا فيما يتَّصل بالقرآن حفظًا ودراسة، وهو الذي كان يدرِّس القرآن لفاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد - رضي الله عنهما - عندما فاجأهم عمر بن الخطاب متقلِّدًا سيفه الذي خرج به ليصفي حسابه مع الإسلام ورسوله، لكنه لم يكد يتلو القرآن المسطور في الصحيفة التي كان يعلِّم منها خبَّاب، حتى صاح صيحته المباركة: دلوني على محمد - صلى الله عليه وسلم.
فالعاقبة للمتقين المحتسبين الصابرين الذين غرسوا في نفوسهم الإيمان الراسخ، وجعلوه نبراسهم في أيام المِحَن والابتلاء، وهذا النموذج الرائع الذي سقناه فيما سلف خير دليل على أن الله ينصر المؤمنين والمؤمنات الصابرين المتمسِّكين بجذوة التقوى.
فلا عقيدة صحيحة إلا عقيدة التوحيد، والإسلام السَّمْح الذي جاء به خير المرسلين سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - فكل الآلهة المزعومة إلى زوال؛ فقد ثبت في"الصحيح"من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كلُّ شيء مَا خَلا اللهَ بَاطِلُ ) )؛"صحيح البخاري"برقم (3841) ، و"صحيح مسلم"برقم (2256) .
(1) رجال حول الرسول.