سنحاول في هذه الوقفة البيانية تتبُّع ظلال الآي الكريم في هذه السورة المباركة؛ قال تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 1 - 3] .
بين يدي عنوان السورة:
اسم السورة يدل على الحقيقة الحتمية التي تنتج عن العمل الخالص، الذي بني على أسس سليمة من شوائب الشرك والرياء والغرور، و {إذا} - كما هو معلوم لغويًّا: تدلُّ على المستقبل، فالمستقبل فيه النصر إذا كان الشرط محققًا.
فما معنى {النصر} لغويَّا؟
النون والصاد والراء أصلٌ صحيح - كما جاء في قواميس اللغة - يدلُّ على إتيان خَيرٍ وإيتائه، ونَصَر اللهُ المسلمين: آتاهمُ الظّفرَ على عدوِّهم، ينصرهم نَصْرًا.
وانتصر: انتقم، وهو منه.
وأمَّا الإتيانُ فالعرب تقول: نصرت بَلَدَ كذا، إذا أتيتَه، قال الشَّاعر:
إِذَا دخَلَ الشُّهْرُ الْحَرَامُ فَوَدِّعِي ... بِلاَدَ تَمِيمٍ وَانْصُرِي أَرْضَ عَامِرِ
ولذلك يسمَّى المطرُ نَصْرًا.
ونُصِرتِ الأرضُ، فهي منصورة، ونَصَرَ الغيثُ الأرضَ؛ أي: غاثَها.
ونُصِرَتِ الأرضُ فهي مَنْصورَةٌ؛ أي: مُطِرَتْ، والنَّصْر العَطاء، قال:
إِنِّي وَأَسْطَارٍ سُطِرْنَ سَطْرَا ... لَقَائلٌ يَا نَصْرُ نَصْرًا نَصْرا
نَصَرَ المَظْلومَ نَصْرًا ونُصورًا: أعانَهُ، ونصر الغَيْثُ الأرضَ: عَمَّها بالجَوْد، ونَصَرَهُ منه: نَجَّاهُ وخَلَّصَهُ، وهو ناصِرٌ ونُصَرٌ - كصُرَدٍ - من قومٍ نُصَّارٍ وأنْصارٍ ونَصْرٍ، كصَحْبٍ.
والنَّصيرُ: الناصِرُ، وبهذا سمي أنْصارُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بهذا الاسم، فقد غَلَبَتْ عليهمُ الصِّفَةُ، ورجلٌ نَصْرٌ، وقومٌ نَصْرٌ، والنُّصْرَةُ: حُسْنُ المَعونَةِ.