الصفحة 7 من 41

في جوِّ السورة العام:

ليس في هذا الوجود شيء يتعلم منه الإنسان ويقتبس من نوره إلا هذا الكتاب المنير والسنة المطهَّرة، فمَن حاول الأخْذ من غيرهما عاش في شقاء، وما حياة الأمم السابقة والحاضرة واللاحقة إلا دليل قاطع على ما نقول، كيف لا، وقد أقسم الله في القرآن الكريم - في سورة الفجر مثلًا - على أنَّ الطغاة والحضارات التي طغت وعلَت ستموت وتندَثر وتُمْحى وتتلاشَى، مهما بلغت من رُقِيٍّ أو تطور: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128] ؟!

وفي هذه السورة الكريمة دروس وعِبَر إيمانية تصقل القلب وتنعشه، لتعود له الحياة من جديد، دروس فيها من الحِكَم والقِيَم والمبادئ، التي لو فهمها المسلم والمسلمة لعاش في بحبوحة من العيش الرغيد، ولو وضعتها الأمة دستورًا لمزَّقت جميع الدساتير الأخرى، واكتفتْ بها نبراسًا ينير لها طريق السعادة المطلقة.

بين يدي السورة:

قال الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا وَكِيع، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن معد يكرب قال: أتينا عبدالله فسألناه أن يقرأ علينا: {طسم} [القصص: 1] المائتين، فقال: ما هي معي، ولكن عليكم مَن أخذها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم: خَبَّاب بن الأرَتِّ، قال: فأتينا خَبَّابَ بن الأرتِّ، فقرأها علينا - رضي الله عنه -"المسند" (1/ 419) .

سميت سورة القصص بهذا الاسم لأن الله - تعالى - ذكر فيها قصة موسى - عليه السلام - مفصَّلة موضَّحة من حين ولادته إلى حين رسالته، وفيها من غرائب الأحداث العجيبة ما يتجلَّى فيه بوضوح عناية الله بأوليائه وخذلانه لأعدائه، ثم ذكر لنا فيها قصة قارون عبرة للمُعتبِر، وموعظة للمتَّعظ.

وقد ذكر العلماء أنها سورة مكية، نزلت والمسلمون في مكة قلة مستضعفة، تكاد تتخطَّفهم الأمم من كل حدَب وصَوْب، والمشركون هم أصحاب الحَوْل والطَّوْل، والجاه والسلطان، بل كان المسلمون في ضعف مادي بارز، وقلة من العدد والعدة، ما جعل الأمم الأخرى تطمع فيهم، فنزلت السورة لتضع الموازين الحقيقية للقُوَى والقِيَم، نزلت تقرِّر أن هناك قوة واحدة في هذا الوجود، هي قوة الله - سبحانه وتعالى - وأن هناك قيمة واحدة في هذا الكون، هي قيمة الإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت