بُنِي على أسس الأنانية والجبروت، والقلب فارغ من الإيمان الحق بالله - تعالى - ومن هنا فإن القصة على ما سبق تعرض قيمة المال، ومعها قيمة العلم، المال الذي يستخفُّ القوم وقد خرج عليهم قارون في زينته، وهم يعلمون أنه أُوتِي من المال ما إن مفاتحه لتُعْيِي العُصْبَة من الرجال الأقوياء، والعلم الذي يعتزُّ به قارون، ويحسب أنه بسببه وعن طريقه أُوتِي ذلك المال، ولكن الذين أوتوا العلم الصحيح من قومه لا تستخفهم خزائنه، ولا تستخفهم زينته، بل يتطلَّعون إلى ثواب الله، ويعلمون أنه خير وأبقى، وهو مَلاذُهم الوحيد، إليه يلجؤون في خِضَمِّ معارك الحياة، فهم قومٌ صنعهم الإيمان وبنى منظومتهم الفكرية العقلية، يتكلمون بمنطق إيماني خالص، بعيد عن الشوائب المنزلة إلى حضيض الأرض.
ثم تتدخل يد الله فتُخْسَف به وبداره الأرض، لا يغني عنه ماله، ولا يغني عنه علمه، وتتدخل تدخُّلًا مباشرًا سافرًا كما تدخلت في أمر فرعون، فألقتْه في اليم هو وجنوده فكان من المغرَقين؛ ليكون عبرة للمعتبِرين، ودرسًا في قمة الوعظ لكل مَن يطغى بماله وعلمه وجبروته وغطرسته.
ودلَّت هذه وتلك على أنه حين يتمحض الشر ويسفر الفساد ويقف الخير عاجزًا والصلاح حسيرًا، ويخشى من الفتنة بالبأس، والفتنة بالمال، عندئذ تتدخَّل يد القدرة سافرة متحدِّية، بلا ستار من الخلق، ولا سبب من قوى الأرض؛ لتضع حدًّا للشر والفساد [1] .
وقد روى الإمام أحمد قال: حدثنا النضر بن إسماعيل أبو المغيرة القاصُّ، حدثنا الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( بينا رجل فيمَنْ كان قبلكم خرج في بُرْدَيْن أخضرين يختال فيهما، أمَر الله الأرض فأخذتْه، فإنه لَيَتجلجل فيها إلى يوم القيامة ) )؛ تفرَّد به أحمد، وإسناده حسن"المسند" (3/ 40) .
فالكبر طامة كبرى، إذا لبسه الإنسان دكَّه في أسفل السافلين، وحطَّه ذليلًا منكسرًا لا قيمة له؛ قال - تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لاَ تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلاَ أَمْتًا * يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا} [طه: 105 - 108] .
(1) سيد قطب،"في ظلال القرآن"سورة القصص.