عَائِشَةُ: «لَوْلاَ ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا» [1] ، وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ النَّجْرَانِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي جُنْدَبٌ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللهِ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» [2] .
و على التسليم الجدلي بإقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - لفعل أبي جندل وعدم العلم بتاريخ نهيه عن اتخاذ القبور مساجد فالنصوص الصريحة بالتحريم تقدم على النص المبيح لاتخاذ القبور مساجد، وأقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - الصريحة بالتحريم تقدم على إقراره.
شبهة 12: مما يدل على جواز بناء المساجد على القبور فعل الصحابة - رضي الله عنهم - يتضح في موقف دفن سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واختلافهم فيه، وهو ما رواه الإمام مالك - رضي الله عنه - في الموطأ، حيث قال ناس: يدفن عند المنبر، وقال آخرون: يدفن بالبقيع، فجاء أبو بكر الصديق فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ما دفن نبي قط إلا في مكانه الذي توفي فيه"، فحفر له فيه. وجه الاستدلال: أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اقترحوا أن يدفن -صلى الله عليه وسلم -عند المنبر، وهو داخل المسجد قطعا، ولم ينكر عليهم أحد هذا الاقتراح، بل إن سيدنا أبا بكر - رضي الله عنه - اعترض على هذا الاقتراح ليس لحرمة دفنه - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، وإنما تطبيقا لأمره - صلى الله عليه وسلم - بأن يدفن في مكان قبض فيه -صلى الله عليه وسلم -.
و الجواب الحديث من بلاغات مالك - رحمه الله - أي حذف فيها مالك الإسناد، و قال بلغني و الرواية بتمامها: حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تُوُفِّيَ يَوْمَ الاثنين، وَدُفِنَ
(1) - رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 4441 , ورواه مسلم في صحيحه حديث رقم 529
(2) - رواه مسلم في صحيحه حديث رقم 532