الصفحة 62 من 95

لو أردنا فصل البيت عن المسجد دون المساس بجدار البيت الأول لاستطعنا، واحتاط في جعل الجدار الثاني للبيت الذي به القبر على هيئة لا يستطيع أحد أن يستقبله و يستقبل القبلة في وقت واحد فقد بنى حول حجرة عائشة جدارًا مخمس الأضلاع بصورة شكَّل معها في المؤخرة مثلثًا حتى لا تشبه الكعبة المشرفة في بنائها.

قال ابن حجر - رحمه الله: (لَمَّا وُسِّعَ الْمَسْجِدُ جُعِلَتْ حُجْرَتُهَا - أي حجرة عائشة - مُثَلَّثَةَ الشَّكْلِ مُحَدَّدَةً حَتَّى لَا يَتَأَتَّى لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى جِهَةِ الْقَبْرِ مَعَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ) [1]

وقال النووي - رحمه الله:(قَالَ الْعُلَمَاءُ إِنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ اتِّخَاذِ قَبْرِهِ وَقَبْرِ غَيْرِهِ مَسْجِدًا خَوْفًا مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي تَعْظِيمِهِ وَالِافْتِتَانِ بِهِ فَرُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إِلَى الْكُفْرِ كَمَا جَرَى لِكَثِيرٍ مِنَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ.

ولما احتاجت الصَّحَابَةُ - رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - وَالتَّابِعُونَ إِلَى الزِّيَادَةِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ وَامْتَدَّتِ الزِّيَادَةُ إِلَى أَنْ دَخَلَتْ بُيُوتُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فِيهِ، وَمِنْهَا حُجْرَةُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - مَدْفِنُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَاحِبَيْهِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بَنَوْا عَلَى الْقَبْرِ حِيطَانًا مُرْتَفِعَةً مُسْتَدِيرَةً حَوْلَهُ لِئَلَّا يَظْهَرَ فِي الْمَسْجِدِ فَيُصَلِّيَ إِلَيْهِ الْعَوَامُّ وَيُؤَدِّي الْمَحْذُورَ ثُمَّ بَنَوْا جِدَارَيْنِ مِنْ رُكْنَيِ الْقَبْرِ الشَّمَالِيَّيْنِ وَحَرَّفُوهُمَا حَتَّى الْتَقَيَا حَتَّى لَا يَتَمَكَّنَ أَحَدٌ مِنِ اسْتِقْبَالِ الْقَبْرِ وَلِهَذَا قَالَ فِي الحديث ولولا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ) [2] .

و في عبارة النووي - رحمه الله - ما يوهم أن إدخال حجرة عائشة في المسجد كان في عصر الصحابة، و المعروف في كتب التاريخ و السير أنه كان في زمن الوليد، و قد يكون مراد النووي - رحمه الله - أن توسعة المسجد النبوي حدثت منذ زمن الصحابة و لاشك أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قام بالتوسعة لكن لم يكن في هذه التوسعة إدخال الحجرات النبوية في المسجد ثم قام بالتوسعة عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، و

(1) - فتح الباري لابن حجر 3/ 200

(2) - شرح النووي على صحيح مسلم 5/ 14

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت