و كل هذه الأسباب و غيرها تجعل النفس لا تطمئن لإخراج حجرة عائشة - رضي الله عنها - من المسجد النبوي سدا للفتن التي قد تحدث من هذا الأمر، وألا يظن أن هذا الأمر فيه تنقص أو امتهان للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو تلاعب بالحجرة النبوية الشريفة و لئلا يتخذ ذريعة لنيل من الإسلام ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهناك العديد من النصوص تدل على الأخذ بدليل سد الذريعة و منها:
عن عَائِشَةَ - رضي الله عنها -، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ، لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ، فَأَلْزَقْتُهَا بِالْأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابًا شَرْقِيًّا، وَبَابًا غَرْبِيًّا، وَزِدْتُ فِيهَا سِتَّةَ أَذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ، فَإِنَّ قُرَيْشًا اقْتَصَرَتْهَا حَيْثُ بَنَتِ الْكَعْبَةَ» [1] .
و قد كانت المصلحة أن تكون الكعبة على قواعد إبراهيم - عليه السلام - وأن يكون باب الكعبة متاحًا ليدخل منه جميع الناس الغني منهم والفقير السيد و الرقيق، ولكن هدم الكعبة لتبنى علي قواعد إبراهيم سينتج عنه مفسدة أعظم، وهي حدوث فتنة لمن دخل في الإسلام منذ زمن يسير فسيقول حديث العهد بالإسلام: إن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يقدس الكعبة، وآباؤنا كانوا يقدسون الكعبة، فيفتنون عن دينهم أو يظن من أسلم من قريش أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هدم الكعبة وأعاد البناء من أجل أن يأخذ هذه المفخرة لنفسه، فيكفرون مرة أخرى، فترك النبي - صلى الله عليه وسلم - مصلحة هدم الكعبة و بناءها من جديد على قواعد إبراهيم - عليه السلام - لدرء مفسدة افتتان الناس بهدم الكعبة.
وقَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قَالَ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ - قَالَ سُفْيَانُ: مَرَّةً فِي جَيْشٍ - فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ، رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ» فَسَمِعَ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَقَالَ: فَعَلُوهَا،
(1) - رواه مسلم في صحيحه رقم 1333