هذه أول سفارة عثمانية على نطاق واسع، ويقال إن السفير اصطحب وفدا مكونا من 100 شخصا، أما المترجم فكان شخصية معروفة حينذاك، وهو أوروبي يسمى فرانكيز دي مسجينين، وكان يعد کبير المترجمين للإمبراطور النمساوي، وقد كتب تقريرا مطولا عن هذا الحدث باللغة الإيطالية، وحفظ في الأرشيف بمدينة نينا، وسجل فيه البروتوكول وأسلوب الترحيب الذي استقبلت به البعثة التركية، والموافقة على إنشاء السفارة في هذه المدينة (23) .
هناك أحد الرحالة يسمى إيفليا چليبي، قام بوصف العاصمة النمساوية، وهو كاتب روماني، لم يخف عن قرائه أن زيارته للنمسا لم تكن للاستجمام أو الدراسة، وقد استطاع أن يکتب عشرة مجلدات، وفي (كتاب الرحلات) قام بوصف عديد من البلدان التي زارها، ووصف أيضا كثيرة من البلدان التي لم يضع فيها قدمه، ويبدو أنه كان يسجل كل ما يسمعه، فلم يميز بين الحقيقة والخيال. وفي المجلد السادس من رحلاته يصف أحد الحملات العسكرية، من أساطيره التي اشترك فيها شخصيا، فيقول أنه كان ضمن أربعين ألفا من جنود الترك التتار الذين اكتسحوا النمسا والمانيا وهولندا، ثم اتجهوا معا إلى بحر الشمال.
وفي المجلد السابع يصف فيينا والنمسا التي قام بزيارتها فيقول إنه كان أحد أعضاء سفارة كارا محمد باشا. وفي إحدى المرات كان يقول إنه لم يقم بزيارة فيينا (*) (31) ، وذلك قد يدعو إلى الشك في المجلدات التي كتبها.
ووصفه للإمبراطور النمساوي يعد مثالا على أسلوبه الأدبي حيث يقول: 'خلق الله هذا الرجل، وحياه رأسا كالزجاجة، استدارت فبدت وكأنها طرطور درويش يرقص، ومنحه حاجبين مقلطحين، فإذا نظرت إلى وجهه وجدته مستطيلا شاحب اللون، يبدو عليه مكر الثعالب، ولقد حياء الله أذنين كبيرتين كأنهما أحذية الأطفال، وأنفا احمر كحب العنب الأحمر، أما أنفه فكلتا فتحتيه يمكنك من وضع ثلاثة أصابع داخلها، وله شارب كثيف كأنه الشاب في الثلاثين من الشباب المتعجرف، تجده مسترسلا فوق شفتيه كشفني الناقة، وله فم يمكنه من ابتلاع رغيف کامل دفعة واحدة