الفرنسيون على السخرية منه كلما أعلن أنه يدين بدين الفرنسيين ألا وهو المسيحية. وكان كثير من الفرنسيين قد تحولوا إلى رؤية عقلانية الدين، أي أنهم كانوا يؤمنون أن الله، على افتراض وجوده، هو صانع الكون الذي نفخ الحياة فيه ثم لم يشغل نفسه بعدئذ بأموره. ولم يكن معظم هؤلاء العقلانين يعدون أنفسهم مسيحيين، وكانوا يكلون الاحتقار لمسيحيي الشرق الأوسط الذين في رأيهم يخضعون للقس ويعيشون حياة متخلفة، ويتنكر"جوبير"مهمة القس الماروني الذي طلب إليه أن يقرا الوثيقة ويعلق عليها أثناء القراءة، وبالنظر إلى محتوى الوثيقة فإن القس كان في حيرة من أمره يكاد لا يفقه ما يقول. وقد وجد"جوبير"تسلية عظيمة فيما يقوله القس الماروني لأهل الإسكندرية المهزومين عن الفرنسيين الذين بادرهم بالتحية بوصفهم اخوة كاثوليك موالين لبابا روما، إذ يشرح لهم انهم فرقة من المسلمين الذين انقلبوا على البابا و عزلوها وفي خطاب آخر وجهه لشخص آخر يقول"جوبير"إن عامة أهل باريس ربما ضحكوا ملء الأشداق حين قرأوا وثيقة القائد الأعلى، ويقول إن بونابرت مع ذلك محصن من كل نقد، وإن فعلته تلك لا شك سينتج عنها أعجب الأمور.
لكن كيف استقبل شيوخ السنة المسلمون في الجامع الأزهر هذه الوثيقة التي انتشرت في طول البلاد وعرضها؟ كان رد فعل شيوخ القاهرة ومن بينهم الشيخ عبد الرحمن الجبرتي، وهؤلاء هم من افترض بونابرت أن وثيقته تلك ستترك فيهم أثرا بالغا، مزيجا من السخرية، والحيرة، والغضب. (1) سجل الجبرتي ملاحظات سريعة على هامش الوثيقة توحي هيئتها أنها لا تخلو من عنصر السخرية، إذ إن العلماء من أمثال الجبرتي عادة ما يضيفون تعليقاتهم على هامش القرآن لا الوثائق الفرنسية.