الصفحة 186 من 536

شرع الجبرتي في نقد ما حوته الوثيقة من أغلاط نحوية وسقطات أسلوبية ثم انتقل إلى ملاحظة مؤداها أن العبارة الافتتاحية في الوثيقة تثبت أن فرنسا الثورية تتفق في بعض الوجوه مع ما جاءت به الأديان الثلاثة (اليهودية والمسيحية، والإسلام) ، إلا أنها في وجوه أخرى تخالفها جميعا. يقول الجبرتي إن الفرنسيين يتفقون مع المسلمين في قول بسم الله الرحمن الرحيم وفي إنكار أن يكون الله ولد أو شريك، غير أنهم لا ينطقون بالشهادتين ولا يقرون محمدا علي نبوته ولا يؤمنون بما أرسل الله من رسل يؤمن المسلمون بما جاءوا به من عند الله، في حين يوافق الفرنسيون النصارى في معظم ما يقولون وما يفعلون، غير أنهم يخالفونهم في التثليث وفيما يعتقدون من وحي السماء، فضلا عن أنهم أسقطوا الكهنوت، وقتلوا القس وهدموا الكنائس.

أما الإشارة إلى الفرنساوية"التي تعلن الوثيقة أنها صادرة عنهم، فإن الجبرتي يبين أنه بخلاف مجتمعات عديدة لا يوجد لدى الفرنسيين عظيم او سلطان يضفون عليه شرعية ويتحدث باسمهم، ويقول أيضا إن الفرنسيين خرجوا على ملكهم منذ ست سنوات خلت وقتلوه، وإنهم اجتمعوا على رأي مؤداه ألا يحكمهم حاكم فرد، وإنما يدير مجموعة من الحكماء وأصحاب الرأي السديد من بينهم أمر دولتهم، وبلادهم، وشئون الإدارة بها (وإن بدا للقارئ أن وصف الجبرئي لفرنسا الثورية يبعد بها عن وصف الدولة الديموقراطية ويقترب بها من حكومة الفلاسفة المماثلة لما ذهب إليه سقراط في جمهورية أفلاطون"، فذلك ليس من قبيل المصادفة، إذ إن الجبرتي(مسلم يعتق أفكار الأفلاطونية المحدثة) . شرح الجبرتي كيف يقع اختيار الفرنسيين على قادة جيوشهم، وكيف ينتظم الضباط والأفراد والإداريون في المراتب الأدنى، ويجري التشاور بين القادة والتابعين، شريطة توفر المساواة بين الجميع، وألا يعلو البعض على البعض الآخر إذ إن البشر متساوون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت