ورفضت الطعام، ونقلها الجنود إلى حيث تروي ظماها، غير أنها لم تلبث أن قضت تحبها، وسحب أحد البدو جثمانها بعد أن ربطه بحبل خلف جواده ليتخلص منه بعيدا في بقعة قاحلة. وقد أجرى مترجم الجنرال"لوي ديساي"بعض التحريات في القرية القريبة و عرف انها ضحية جريمة شرف، فقد ادينست بارتكاب الزنا وحكم عليها وعلى وليدها بعذاب فظيع، فتملت عيناها لأيام تسع خلت، وألقي بهما في العراء. وكانت تقتات على ما تصل إليه يداها في الصحراء من جذور وحب
وعشب. (2)
كانت تلك الحادثة مقدمة عملية للجنود الفرنسيين للتعرف على قيمة أساسية في الشرق الأوسط، حيث يعتمد شرف الرجل على قدرته على حماية نسائه من سعي الأخرين لإغوائهن والحفاظ عليهن عفيفات طاهرات. وفي بعض الأحيان يقع
عقاب القبيلة على النساء اللائي يجلبن العار على اسرهن. وتنتشر تلك المجسات التي تقصر معنى الشرف في الحفاظ على عفة المرأة في شرقي البحر المتوسط بين المسلمين فضلا عن المسيحين أنفسهم. وقد نزلت آيات من القرآن تشدد شرط ثبوت الزنا بشهادة اربعة رجال، وتحدد عقوبة الجلد، غير أن تأثير من أسلموا من اليهود وما جاء بالتلمود من شرائع دفع بعض الفقهاء التفضيل عقوبة الرجم. أما ما تعرضت له الفتاة من فقأ عينيها ونفيها إلى الصحراء، بل التسبب في قتل صغيرها، فلم يرد لمثل تلك العقوبات ذكر في الشرائع. ولعل فقهاء المسلمين كانوا سيشاركون الفرنسيين الشعور بفظاعة ما قام به الجهال من ذكور القرية بدافع الانتقام لشرفهم من أنثي ضلت السبيل. أما موران"فعلى الرغم من شعوره بفظاعة العقاب فإنه لم ير في عقوبة الإعدام ذاتها ما يثير العجب، إذ إن القانون الفرنسي يعترف بما لخيانة الزوجة من إهانة لشرف زوجها بما يشكل حجة تحسب له في جرائم الشرف."