وهناك بعض المؤرخين من ذوي الاتجاهات اليمينية الذين يرون أن الثورة الفرنسية كان مقدرا لها بحكم جوهرها أن ترتكب أحداث العنف في عهد الإرهاب، وأن تمارس القمع الذي وقع على إقليم قنديه"، فهي ثورة ذات إيديولوجية كلية داست تحت أقدامها حقوق الفرد في انحياز معلن لمفهوم الإرادة العامة التي روج لها الفيلسوف الاجتماعي"جان جاك روسو". (1) أي أنهم يقصدون أن الثورة خطت أولى خطواتها مدفوعة بروح شمولية؛ لأن قادتها رأوا الخير السياسي كله في الوحدة لا التعدد الذي يقوم على مصالح مشروعة ومتنافسة. غير أن تلك النظرة النقدية قوبلت بالرفض عموما، إذ إنها تقدم تيسيطا مخلا لا يأخذ في الاعتبار تعقيدات السياسة الفرنسية في تسعينيات القرن الثامن عشر. ففي البداية استهدفت المثل العليا التي تضمنتها وثيقة حقوق الإنسان والمواطن، والتشريعات التي نظمت عمل المؤسسات السياسية، والتي صدرت في عام 1789، حماية حقوق الأفراد وسمحت بقيام مجتمع ذي طابع تعددي. أضف إلى ذلك أن الدولة الفرنسية في السنوات الأولى من العقد الأخير من القرن الثامن عشر حتى منتصفه لم تكن تخضع لحكومة مركزية في واقع الأمر، بما لا يتفق والنموذج الشمولي؛ بل كيف للمرء أن يفسر فترة الهدوء النسبي بين عامي 1789 و 1792، وكذلك الاتجاه نحو الليبرالية بعد عام 1794 على أيدي دعاة متحمسين لثورة 1789 وقيمها مما ادى إلى قيام حكومة الإدارة. ومن ناحية أخرى، فإن قادة الحركات التي دعت إلى العودة إلى النظام الملكي، مثل زعماء التمرد الذي وقع في إقليم قنديه"، لم يكونوا بأي حال أقل وحشية. فإذا كان ممارسة الفرنسيين للعنف في"قنديه"أو في مصر جزءا لا يتجزأ من فلسفة الجمهورية، فما كانت لتثير نقد أعضاء الحملة الجمهوريين الملتزمين لها، وقد شهدنا كيف تأذي برنوبية من حجم العنف الذي مارسة الفرنسيون في مصر.