كان غضب الجنود يخفي وراءه بؤستا حقيقيا. أما مواريه"فإنه شهد سقوط كثير من الجنود وقد صرعهم الجوع والإرهاق، وكثيرين غيرهم ممن انتحروا وقد بلغ بهم اليأس مداه، ويروي"مواريه"كيف احتضن شقيقان كلاهما الآخر وألقيا بنفسيهما في النيل، وفي يوم 17 يوليو وقعت غارة شنها الأتراك المتمصرون على الجنود الفرنسيين الذين لم يهنأوا بنومهم إلا قليلا، فهبوا ليلاقوا عدوهم ويحقنوا نصرا سهلا، ثم ما لبثوا أن واصلوا مسيرتهم الشاقة في جو قائظ في اتجاه العاصمة، وكان نصيب الجندي ثلاث قطع من البسكوت الجاف في الروم، وحدث أن استولى الفرنسيون على سفينة للعدو وحصلوا منها على نصيب إضافي من البسكوت وجدها مواريه"من أردأ الأنواع، فهي فترة وقد صنعت بدقيق سيئ، وخلطت بسمن قديم تعافه حتى الفئران. ويضيف مواريه أن الشجاعة اللازمة التناول هذا الطعام لا تتأتى إلا لمن هم في موقفهم. وزع مواريه نصيبه إلى أربعة أجزاء موزعة على أربع وجبات صغيرة في اليوم الواحد، فكان يغمس البسكوت في الماء ليخفف من ملوحته وصلابته
وما إن اقترب الجيش الفرنسي من القاهرة في مسيره بحذاء الضفة الغربية للنيل حتى اجتمع صفوة القاهريين وأعدوا عدنهم، واتخذ الوالي العثماني أبو بكير باشا والقائد المحلي إبراهيم باشا ومجموعة من رجال الإدارة و علماء الدين قرارهم بالصمود عند ميناء بولاق النهري على الضفة الشرقية للنيل. أقاموا المتاريس ووجهوا المدافع شطر الشمال تحسبا لمجيء الفرنسيين من الضفة الشرقية، كما حشدوا البدو ليتخذوا مواقع في شبرا وغيرها من الأماكن إلى الجنوب من بولاق. كما دعوا الرجال الأصحاء كافة إلى المتاريس وأعلنوها حربا مقدسة على الكفار الغزاة. (30) وشرع حكام القاهرة في البحث عن الأسلحة في دور التجار الأوروبيين