وقد وقعت حادثتان في هذه الفترة تحملان دلالة على واقع القوة الفرنسية الوليدة في مصر، وقعت الحادثة الأولى في الوردان حينما عثر الفرنسيون علي خبيئة من المخطوطات في أحد أبراج الحمام. وعلى الرغم من أن الجيش الثوري الفرنسي الذي يلتزم بالعلمانية لا يضم بين صفوفه رجال دين فعلى نحو ماكان هناك بينهم الأب سيكار Sicard (وربما كان مجرد جندي أو ضابط سبق أن درس للالتحاق بالكنيسة) الذي أصر على إحراق المخطوطات لأنها مؤلفات في السحر. وفي تلك الفترة أيضا حدث أن أرسل أحد أمناء المخازن بالجيش الفرنسي إلى قرية مجاورة لشراء قمح، وأثناء وجوده مع خادمه في تلك القرية هاجمهما البدو وقيدوهما إلى شجره وأشعلا فيهما النار. وحين وصل الفرنسيون وجدوا النار لا تزال مشتعلة في جسديهما، استشاط بونابرت غضبا فأمر بإضرام النيران في القرية، وقتل أهلها جميعا رميا بالرصاص أو بضرب أعناقهم بالسيوف. لم تستند تلك العقوبة الجماعية إلى المنطق السليم، مثلها في ذلك مثل العقوبة التي حلت بالرحمانية حيث أتت النيران على جانب منها، وإنما بدت وكأنها مجرد ممارسة فجة للإرهاب، كما أن تدمير مخطوطات قيمة يلقي بظلال الشك على دعاوي بونابرت"بشأن إسهامه بغزو مصر في توطيد أركان الحضارة. بل إن سماح الجيش الجمهوري لرجل دين أن يرتكب تلك المحرقة القائمة على عقيدة غيبية يدل أبلغ دلالة على امتداد عنيد لأساليب فكرية من قبل عصر التنوير بين هؤلاء الذين أعلنوا العقل إلها لهم. ويسجل الرقيب"فرانسوا أحداث اليوم التالي، التاسع عشر من يوليو فيقول إن الجنرالات أرسلوا عدة وحدات إلى القرى الواقعة على ضفتي النيل. (1)
وفي إحدى تلك القرى وتعرف باسم شوم اجتمع ألف وثمانمائة رجل ليحولوا دون دخول الوحدتين التاسعة، والخامسة والثمانين، من القوة التي يقودها"زينيه"