الرواية عن تراجع عدوهم جعلت تقريره البائس أكثر قبولا للجنرال كافاريللي، ولكنها رواية لا ترقى إلى المصداقية، كما أن"ديزفرنواه لا يذكر أنهم صادفوا مثل هذا التطور السعيد، بل على العكس قال إن الذخيرة كادت أن تنفد من قوات ليكليرك مما اضطره إلى الانسحاب، وصل الفرنسيون إلى معسكرهم خارج القرية في الرابعة مساء وقد تضعضعت معنويات الجنود. ويقول مالوس إن أصواتهم علت معبرة عن مشاعر القلق؛ ولذا فإن الجنرال اليكليرك"قرر الانسحاب في ليلته هذه إلى المطرية
إن الاقتصار في وصف تلك المعارك على التسهيلات العسكرية والخطط الحربية وأوامر الجنرالات يجانبه الصواب، فالكارثة التي حلت بالفرنسيين في الخانكة تكشف عن الدور المهم الذي يلعبه العامة في تلك الصراعات. فقدثار القرويون من الفلاحين في وجه الغزاة الجدد وقد استمدوا الشجاعة من وقفة إبراهيم بك، فقتلوا الحرس الفرنسي بل العاملين الذين يزودون تلك القوات الأجنبية بالغذاء. وبدا الأمر وكأنهم يريدون أن يحفروا لأنفسهم أثرا على مستوى طبقتهم الاجتماعية. وبالمثل فإن الفلاحين تدفقوا إلى أرض المعركة من القرى المجاورة يحمل خمسة عشر بالمائة منهم البنادق. والأرجح أن من تمكن منهم من حمل قطعة سلاح ينتمي إلى العائلات التي تسود تلك القرى فهم أثرياء الفلاحين الذين يتمتعون بملكية الأرض وحقوق لا تتأتى للعامة من المزارعين والعاملين. (9) لم تكن القرى منعزلة بعضها عن بعض؛ فكانها يتنقلون بينها في أيام الأسواق ولزيارة أضرحة الأولياء، وهناك كثير من الفلاحين ينتمون إلى خلفيات بدوية ويحافظون على صلة الرحم مع البدو الرعاة الذين يسيطرون على شبكة من الاتصالات الخاصة بهم. بل ابن عامة المصريين ليسوا الشعب المنعزل الخانع الذي رسم"بونابرت صورة له في توقعاته. أضف إلى ذلك أن اليكليرك قد أجبر على التراجع من قبل قوى أدني"