الصفحة 40 من 536

وثمة قضية مهمة أخيرة أثارها مؤلف هذا الكتاب في خاتمته، تتعلق بالدور الحضاري والحداثة اللتين عرفتهما مصر في زمن الاحتلال الفرنسي، دلت على نظرة تقويمية مهمة، وعلى متابعة المؤلف لتيار جديد بين المؤرخين النقديين بعيد النظر في تقييم دور الحملة وارتباطه بقضية الاستشراق والمركزية الأوروبية ... وهنا يشير إشارة واضحة لها مغزاها، وهي أن بونابرت احرق مستندات دولته ذات الصلة بجمهورية مصر الفرنسية بعد أن أدرك حجم الفوضى التي أحدثها في وادي النيل، و الفشل الذريع الذي منيت به حملته، والإعلام والدعاية الكاذبة اللتين أحاطت بهما، وقتل الآلاف دون رحمة وإحراق القرى وتدميرها، وهو ما سجلته الوثائق الرسمية الفرنسية التي أحرقها. وهنا يتعجب مؤلفنا من أنه، رغم هذا كله، يجد من أنصار القومية المصرية في مصر - على ما في موقفهم من غرابة- من يصفوا الحملة بأنها كانت دفعة قوية نحو حداثة نشطة زلزلت مجتمعا تقليديا، وجلبت له المطبعة و الطباعة والتجارة الحديثة، والمستشفيات، و العلوم بما فيها علم الآثار، الذي تمكن علماؤه في نهاية المطاف من استعادة ماضي مصر الفرعوني ... إلخ. ويرد المؤلف على هؤلاء النفر من المصريين، بأن هذه فرية جاء من دحضها من المؤرخين الاجتماعيين الذين برزوا في سبعينيات القرن الماضي وما بعدها. الذين أثبتوا أن مصر كانت لها علاقات اقتصادية ودبلوماسية مع أوروبا، خلال القرن الثامن عشر، وأنها لم تكن صحراء جرداء تنتظر بونابرت ليكتشفها ويقودها نحو الحداثة، وأثبتوا أن المخترعات المحدودة التي جاء بها جيش الشرق رحلت معه عام 1801، وأن الحملة لم يكن لها تلك الآثار التي روج لها الاستشراقيون ودعاة المركزية الأوروبية، والتي تضيف إليها أن مصر كانت تسير نحو نهضة خاصة بها، استطاع محمد على أن يبني أساسها فيما بعد، وهو الأمر الذي كتب

ور

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت