الصفحة 446 من 536

والأزياء العسكرية برنوبية أن المصريين يرون في النيل أباهم، وفي الأرض أمهم، ويتساوى عندهم أن يقضوا نحبهم في مياه النيل أو على أرض مصر. وفي ذلك الزمان أيضا ترقب المصريون فيضان النيل ورأوا في وفاته بشرى خير وفي تقصه نذير شر لعام مقبل، والنيل أطول أنهار الأرض وهو يتدفق من منابعه وروافده الإفريقية بإثيوبيا والسودان فيشق طريقه في الصحراء المصرية ويهيئ أرضا لسكني البشر على جانبيه. وفي فصل الشتاء والربيع تغيض مياه النيل وتظل في أدنى مستوى لها، ثم يأتي فصل الصيف بأمطار موسمية غزيرة فيفيض النيل الأزرق في مرتفعات إثيوبيا بالمياه التي تصل مصر في شهر يونيو، وما إن يحل منتصف أغسطس أو أول سبتمبر حتى تفيض ضفتا النهر بالمياه المتدفقة.

وقد اعتاد المصريون على مر العصور على التعايش مع ذلك الفيضان السنوي الطبيعي الذي يجلب لهم الخير؛ فأقاموا مساكنهم وأعدوا مزارعهم على النحو الأمثل للاستفادة من مياهه، وكذلك كي يبقوا على أرضهم ولا يهجروها تحولت القاهرة إلى"بندقية"أخرى في نصف شهور العام وباتت الدلتا أشبه بمستنقعات فلوريدا. رفع القرويون دورهم على قواعد معظم أيام السنة حتى لا يلحق بها ضرر من الفيضان، كما أقاموا نظاما من سدود صغيرة سمحت لهم بتحويل المياه إلى زراعاتهم لريها ثم تحويلها عنها بعد ذلك. شق مهندسو المدينة القنوات والبحيرات لاستيعاب فيض المياه. وفي كل عام تنحسر المياه فتخلف م ن ورانها طبقة سميكة من الطمي الذي يعد مخصبا طبيعيا جعل من وادي النيل سلة غلال شرق البحر المتوسط على مر تاريخ عدة إمبراطوريات. فإن جاء الفيضان منخفضا فلن تغمر الأراضي الزراعية مياه كافية، وتتأثر تبعا لذلك المحاصيل الزراعية، أما إن جاء عاليا فالمحاصيل يلحق بها الضرر، ولذلك فإن الأنظار تتجه بقدر غير قليل من القلق إلى مقياس النيل بالروضة الذي يقدم نبوءة دقيقة عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت