تمشيا مع أسفار الرؤيا) مجموعة من الفظائع المتواصلة بحق أعدائهم الظاهرين في الداخل والخارج، إلا أن الصليبيين ادعوا-خلاقا لذلك- أن العرب المسلمين المشارقة كانوا قساة متوحشين في جوهرهم على نحو لا مثيل له، حتى على الرغم من أن المجازر الرهيبة التي ارتكبت في القدس والقسطنطينية، وجزيرة قبرص، مافتئت تشکل نقيضا صارخا لتاريخ الفتوحات الإسلامية في تلك الحقبة. فقبل اربعمائة سنة من إغراق الصليبيين القدم في الدماء، لم يأمر الخليفة عمر بقتل أحد عندما تولى أمر المدينة، حتى إنه في واقع الحال وقع معاهدة مع البطريرك المسيحي صوفرونيوس، وقد تضمنت هذه المعاهدة بندا بنص (وفقا لتعاليم القرآن) على أنه الا إكراه في الدين». وفي وقت لاحق، عندما استرد القائد الإسلامي الشهير صلاح الدين القدس من الصليبيين في عام 1187، اقتدى بعمر وحذا حذوه، فلم يكتف بالسماح للبطريرك المسيحي بمغادرة المدينة مع أتباعه، بل سمح لهم، إلى ذلك، بحمل ثرواتهم معهم).1
لقد كانت علاقة العالم الإسلامي باليهود مغايرة تماما لعلاقة الصليبيين بهم، فبينما عمد الصليبيون إلى ارتكاب مذابح منظمة بحق اليهود الآمنين في أوروبا، واستهدفوا السكان اليهود في الشرق الأوسط، خطب القادة المسلمون ودهم وبذلوا جهودهم لإقامة علاقات طيبة مع العالم اليهودي، ومنذ البداية، مكن المسلمون اليهود من التعبد بحرية والعيش بأمان وسلام. وفي الواقع، عندما دعا صلاح الدين اليهود إلى العودة للقدس، بعد استعادته المدينة، ألهم بذلك نوعا من الصهيونية الباكرة حيث تدفق اليهود من جميع أنحاء العالم عائدين إلى المنطقة.2
وأسهم القادة والعسكر المسلمون بنصيبهم من الفظائع التي ارتكبوها، إبان العقود الأولى من الفتوحات بعد مولد الدين، وفي الحقبة المتأخرة من العصور الوسطى على حد سواء. بيد أن المسلمين ابدوا شيئا يسيرا من الاندفاع
(1) أمين معلوف، الحروب الصليبية في نظر العرب.
(2) کارين ارمسترونغ، الحرب المقدسة، 290