إن المعطيات التي يجب أن ينطلق منها القائد العسكري تتسم ليس بصعوبة وتنوع مصادرها ومنظورها وبتعقد وتشوش علاقاتها المتبادلة فحسب، بل وإنما تتسم هذه المعطيات في كافة الأوقات بكونها غير معروفة بشكل كامل، ويبقى العديد منها، ولاسيما حلقاتها الأهم أحيانة مخفية في حين يمكن لبقية المعلومات أن تكون ضعيفة الوثوقية، بل وفي أغلب الأحيان وبكل بساطة يمكن أن لا تكون صحيحة.
وتتبدل المعطيات في كثير من الأحيان بشكل طارئ، فالمعلومات التي تم التمكن من الحصول عليها اليوم يمكن أن تصبح غدا قديمة وعديمة الفائدة، فالموقف في الحرب ليس معقدة فحسب، بل إنه بالإضافة إلى ذلك متغير ومتقلب، ولا يمكن في أي وقت من الأوقات أن يكون معروفة بشكل كامل.
وفيما يلي أمثلة عن ذلك الظلام الذي يضطر القائد العسكري أن يعمل فيه أحيانا:
أصبح نابليون بونابرت في الحملة التي جرت عام (1800) قبل الموقعة التي دارت في ضواحي مارنغو في جهل مطبق عن مكان وجود العدو. ونزل نابليون بونابرت بجيشه إلى سهل مارنغو، وهو يطمح إلى أن يعثر على جيش عدوه ميلاس الذي يجهل مکان تمرکزه، وفي صباح الرابع من تموز کان نابليون لا يتوقع أنه في هذا اليوم بالذات ستحدث الموقعة الرئيسية. وخاف نابليون أن يفلت منه ميلاس، لذا أصدر أوامره إلى جميع فرق الأجنحة أن تبتعد عن بعضها لمسافة طويلة. لكن نابليون وجد نفسه في الساعة الحادية عشر وبشكل مفاجئ وجها لوجه مع كامل جيش ميلاس وأصبح مضطرة إلى إصدار أوامر معاكسة إلى فرقة للعودة إلى الوراء.