الصفحة 248 من 298

على إجبار غيرها من الجماعات على التعاون بالطريقة نفسها في صراع لا نهائي. تبقى تنافسية البشر وتعاونينهم متوازنتين في علاقة تكافلية، ليس فقط خلال الأزمنة التطورية، بل وفي المجتمعات البشرية الحقيقية، وبين الأفراد. ومن المؤكد أننا نأمل أن يتعلم البشر كيف يعيشون بسلام في العديد من الحالات التي لا يفعلون فيها ذلك اليوم، ولكن إذا انحرف التوازن بعيدة عن السلوك العدواني والعنيف، فستضعف كذلك الضغوط الانتقائية التي تشجع التعاون. والمجتمعات التي لا تواجه أية منافسة أو عدوان تصاب بالركود وتعجز عن الابتكار، كما أن الأفراد المقرطين في الثقة والتعاون يجعلون أنفسهم عرضة لهجوم آخرين أكثر دموية.

وينطبق الأمر نفسه على الأسرة؛ فمنذ عهد أفلاطون، انتشر بين الفلاسفة مفهوم أن الأسرة تقف عقبة رئيسية تحول دون تحقيق العدالة الاجتماعية؛ فالناس، كما تقترح نظرية انتقاء الأقارب، پنزعون نحو حب عائلاتهم وأقاربهم بصورة لا تتناسب مع فمنهم الموضوعية؛ فإذا وجد تعارض بين تأدية التزام نحو أحد أفراد الأسرة، وتأدية واجب نحو جهة عمومية غير شخصية، فستكون الأسرة أولا, وهذا هو السبب الذي يفسر لماذا يجادل سقراط في الكتاب الخامس من کتاب الجمهورية بأن المدينة العادلة تماما تتطلب مشاعية النساء والأطفال، بحيث لا يعرف الآباء ذريتهم البيولوجية، وبالتالي لا يكونون في موقف يسمح بمحاباتها. وهذا أيضا هو سبب أن جميع مجتمعات سيادة القانون المعاصرة يجب عليها فرض أعداد هائلة من اللوائح التي تحرم المحسوبية والمحاباة في الخدمة العامة.

وعلى الرغم من ذلك، فميل المرء الطبيعي نحو حب أبنائه لدرجة اللاعقلانية له منطقه الكيفي الفوي، إذا لم تحب الأم أطفالها بهذه الطريقة، فمن سواها سيكرس الموارد المادية والعاطفية اللازمة لتنشئة طفل حتى بلوغه سن الرشد؟ إن التنظيمات المؤسسانية الأخرى، مثل الكوميونات أو إدارات الخدمات الاجتماعية والإنعاش، تعمل بدرجة أقل بكثير لأنها لا ترتكز على عواطف فطرية. وبالإضافة إلى ذلك، فثمة عدالة عميقة في العملية الطبيعية، لأنها تضمن أنه حتى الأطفال غير حسني الحلقة أو غير الموهوبين، سيكون لكل منهم والديحيه برغم ما بهم من نقائص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت