قال الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- في"الصواعق المرسلة" (3/ 925) :
"الوجه السادس والخمسون: إن هؤلاء المعارضين للكتاب والسنة بعقلياتهم، التي هي في الحقيقة جهليات، إنما يبنون أمرهم في ذلك على أقوال مشتبهة، محتملة، تحتمل معاني متعددة، ويكون ما فيها من الاشتباه في المعنى، والإجمال في اللفظ؛ يوجب تناولها بحق وباطل، فبما فيها من الحق؛ يقبل من لم يُحط بها علمًا ما فيها من الباطل، لأجل الإشتباه والإلتباس، ثم يعارضون بما فيها من الباطل نصوص الأنبياء، وهذا منشأ ضلال من ضل من الأمم قبلنا، وهو منشأ البدع كلها، فإن البدعة لو كانت باطلًا محضًا؛ لما قُبلت، ولبادر كل أحد إلى ردها وإنكارها، ولو كانت حقًا محضًا؛ لم تكن بدعة، وكانت موافقة للسنة، ولكنها تشتمل على حق وباطل، ويلتبس فيها الحق بالباطل، كما قال تعالى: {وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ، فنهى عن لبس الحق بالباطل وكتمانه، ولَبْسُه به: خلطه به حتى يلتبس أحدهما بالآخر، ومنه التلبيس، وهو التدليس، والغش الذي يكون باطنه خلاف ظاهره، فكذلك الحق إذا لُبِّس بالباطل؛ يكون فاعله قد أظهر الباطل في صورة الحق، وتكلم بلفظ له معنيان: معنى صحيح، ومعنى باطل، فيتوهم السامع أنه أراد المعنى الصحيح، ومراده الباطل، فهذا من الإجمال في اللفظ."
وأما الاشتباه في المعنى، فيكون له وجهان، هو حق من أحدهما، وباطل من الآخر، فيوهم إرادة الوجه الصحيح، ويكون مراده الباطل، فأصل ضلال بني آدم من الألفاظ المجملة، والمعاني المشتبهة، ولا سيما إذا صادفت أذهانًا مخبطة، فكيف إذا انضاف إلى ذلك هوىً وتعصب، فسَل مثبت القلوب، أن يثبت قلبك على دينه، وأن لا يوقعك في هذه الظلمات ..."إلى أن قال: ـ رحمه الله ـ"فلا إله إلا الله، كم قد ضل بذلك طوائف من بني آدم، لا يحصيهم إلا الله، واعتِبْر ذلك بأظهر الألفاظ والمعاني في القرآن والسنة، وهو (التوحيد) الذي حقيقته إثبات صفات الكمال لله، وتنْزيهه عن أضدادها، وعبادته وحده لا شريك له، فاصطلح أهل الباطل على وضعه للتعطيل