لقد ظهر من خلال تفسير فتح القدير أن للإمام الشوكاني اليد الطولى في باب الترجيح، وذلك من خلال مزجه بين ألوان العلوم، فقد حرص رحمه الله أن تكون ترجيحاته واختياراته مبنية على قواعد متينة وأسس رصينة، فَوُفِّقَ في ذلك إلى حد كبير من خلال توظيفه لقواعد الترجيح في خلافات التفسير وفق منهج علمي ـــ كما بينت سلفا ـــ، إلا أن هذا العمل يبقى جهدا بشريا يعتريه ما يعتري غيره من النقص والقصور، وينتاب صاحبه ما ينتاب البشر من السهو والنسيان والفتور، لذا فقد وقفت من خلال تتبعي لخلافات التفسير وترجيحات الإمام الشوكاني على بعض الملحوظات والمآخذ، والتي لا تنقص من قدر الإمام ولا تحط من قيمة تفسيره ذلكم السفر العظيم؛ وإنما هي بمثابة استدراك وسد ثغرات شابت صفو منهج الإمام في توظيف قواعد الترجيح في مقامها، والإمام الشوكاني إمام مجتهد مأجور ــ إن شاء الله ــ فيما أصاب فيه ومعذور فيما أخطأ فيه، ولله در الإمام ابن عطية حين قال في مقدمة تفسيره:"فليستصوب للمرء اجتهاده وليعذر في تقصيره وخطئه" [1]
وهذه المآخذ والملحوظات يمكن إجمالها في نقطتين رئيستين:
الأولى: عدم تقيده ــ أحيانا ــ بالمنهج الذي سار عليه في توظيف قواعد الترجيح.
الثانية: مجانبته للصواب في بعض ما رجحه واختاره.
وتفصيلا لذلك مع التمثيل أقول:
إن ما يمكن أن يناقش فيه الإمام ويؤخذ عليه في هذا الباب ما يلي:
(1) / ابن عطية، أبو محمد عبد الحق بن غالب الأندلسي، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد، ط 1، (لبنان: دار الكنب العلمية، 1413 ه ـــ 1993 م) ، 1/ 35