فالقرآن عصمة واقية، ونعمة باقية، وحجة بالغة، ودلالة دامغة، وهو شفاء لما في الصدور، والحكم العدل عند مشتبهات الأمور، وهو الكلام الجزْل، وهو الفصل الذي ليس بالهزل، سراج لا يخبو ضياؤه، وشهاب لا يخمد نوره وسناؤه، وبحر لا يُدرك غورُه، بهرت بلاغتُه العقولَ، وظهرت فصاحته على كل مقول.
كل كلمة منه لها من نفسها طرب، ومن ذاتها عجب، ومن طلعتها غُرّة، ومن بهجتها دُرّة، لاحت عليه بهجة القدرة، ونزل ممن له الأمر فله على كل كلام سلطان وإمرة، بهر تمكنُ فواصله، وحسن ارتباط أواخره بأوائله، وبديعُ إشاراته، وعجيب انتقالاته، من قصص باهرة، إلى مواعظ زاجرة، وأمثال سائرة، وحكم زاهرة، وأدلة على التوحيد ظاهرة، وأمثال بالتنزيه والتحميد سائرة، ومواقع تعجب واعتبار، ومواطن تنزيه واستغفار.
إن كان الكلام ترجية ًبسط، وإن كان تخويفا قبض، وإن كان وعدا أبهج، وإن كان دعوة جذب، وإن كان زجرًا أرعب، وإن كان ترغيبًا شوق.
فسبحان من سلكه ينابيع في القلوب، وصرفه بأبدع معنى وأعذب أسلوب، لا يستقصي معانيه فهمُ الخلق، ولا يحيط بوصفه على الإطلاق ذو اللسان الطلق، فالسعيد من صرف همته إليه، ووقف فكره وعزمه عليه، والموفق من وفقه الله لتدبره، واصطفاه للتذكير به وتذكره.
أندى على الأكباد من قطر الندى وألذ في الأجفان من سِنَةِ الكرى
يملأ القلوب بشرا، ويبعث القرائح عبيرا ونشرا، يحيي القلوب بأوراده، ولهذا سماه الله روحا فقال سبحانه:"يُلْقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ" (غافر:15) ، فسماه روحا لأنه يؤدي إلى حياة الأبد، ولولا الروح لمات الجسد.
إخوتي وأحبتي:
إن هذا القرآن أنزل ليكون منهج حياة هي خير حياة وأسعدُها، ومرشدًا إلى سبيلٍ هو أقوم سبيل وأنجحُه، يهذبُ النفوس ويزكيها، ويقوِّم الأخلاق ويعليها، يقودُ من اتبعه إلى سعادة الدارين، وينجيه من شقاوة الحياتين،"فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا" (طه:123، 124) . (1) .
ولأنه كتاب الله العظيم، والتقصير في شأنه مصيبة على الفرد والأمة، فأحببت أن أكتب عن واجب أخص الناس، والفئة الأولى المسؤولة عن حمل القرآن: العلماء.
فكان عنوان بحثي: واجب العلماء نحو القرآن.
فالقرآن أمانة ومسؤولية في أعناق جميع المسلمين، وكلما عظم شأن الإنسان كبرت مسؤوليته تجاه هذا القرآن.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من موقع المنبر: www.alminbar.net/ بتصرف.