والأمر الآخر: خلْطُه فيما يورده - من الأحاديث - بين الأحاديث الصحيحة والضعيفة والموضوعة، حيث جعلها نسقًا واحدًا في الدلالة وضرورة التأويل، وإذا أشار إلى ضعف بعض الروايات لا يكتفي بذلك في ردها، وبيان عدم الحاجة إلى بحث ما دلت عليه من الصفة لله تعالى، وإنما يشير إلى ضعفها - إن أشار - بكلمات، ثم يجلب بخيله ورجله في تأويلها"."
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مَعْرِض حديثه عن تأويلات أهل الكلام:"هؤلاء يقرنون بالأحاديث الصحيحة أحاديث كثيرة موضوعة، ويقولون بتأويل الجميع، كما فعل أبو بكر بن فورك في كتاب (مشكل الحديث) " [1] .
المطلب الرابع: كشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي:
ألف ابن الجوزي هذا الكتاب لشرح ما استُشكِل من حديث الصحيحين، معتمدًا فيها على كتاب (الجمع بين الصحيحين) للحميدي والذي رتبه مؤلفه على المسانيد، ممَّا جعل ابن الجوزي يسلك سبيله في هذا الترتيب، فجاء كتاب ابن الجوزي مرتبًا على المسانيد، لا على الأبواب الفقهية، وهذا ما جعل الاستفادة منه صعبة وشاقة.
وقد أشار في مقدمة كتابه إلى السبب المباشر الذي حرَّك همته لتأليف هذا الكتاب، وهو أن سائلًا سأله ذلك، قال:"فأنعمت له، وظننت الأمر سهلًا، فإذا نيل سُهَيْلٍ أسهل"؛ لكن هذا الأمر لم يكن ليثني إرادته أو
(1) درء تعارض العقل والنقل لأحمد بن عبد السلام بن تيمية دار الكتب العلمية بيروت (5/ 236) .