قال رحمه الله تعالى: فأعرضوا عن المنعم , وعن عبادته , وبطروا النعمة , وملوها، حتى إنهم طلبوا وتمنوا , أن تتباعد أسفارهم بين تلك القرى , التي كان السير فيها متيسرا. {وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} بكفرهم باللّه وبنعمته , فعاقبهم اللّه تعالى بهذه النعمة , التي أطغتهم , فأبادها عليهم , فأرسل عليها سيل العرم.
أي: السيل المتوعر , الذي خرب سدهم , وأتلف جناتهم , وخرب بساتينهم، فتبدلت تلك الجنات ذات الحدائق المعجبة , والأشجار المثمرة , وصار بدلها أشجار لا نفع فيها , ولهذا قال: {وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ} أي: شيء قليل من الأكل الذي لا يقع منهم موقعا {خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ} وهذا كله شجر معروف , وهذا من جنس عملهم. فكما بدلوا الشكر الحسن , بالكفر القبيح , بدلوا تلك النعمة بما ذكر , ولهذا قال: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} أي: وهل نجازي جزاء العقوبة ـ بدليل السياق ـ إلا من كفر باللّه وبطر النعمة؟
فلما أصابهم ما أصابهم , تفرقوا وتمزقوا , بعدما كانوا مجتمعين , وجعلهم اللّه أحاديث يتحدث بهم , وأسمارًا للناس , وكان يضرب بهم المثل فيقال:"تفرقوا أيدي سبأ"فكل أحد يتحدث بما جرى لهم، ولكن لا ينتفع بالعبرة فيهم إلا من قال اللّه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} صبار على المكاره والشدائد , يتحملها لوجه اللّه , ولا يتسخطها بل يصبر عليها. شكور لنعمة اللّه تعالى يُقِرُّ بها , ويعترف , ويثني على من أولاها , ويصرفها في طاعته. فهذا إذا سمع بقصتهم , وما جرى منهم وعليهم , عرف بذلك أن تلك العقوبة , جزاء لكفرهم نعمة اللّه , وأن من فعل مثلهم , فُعِلَ به كما فعل بهم، وأن شكر اللّه تعالى , حافظ للنعمة , دافع للنقمة، وأن رسل اللّه , صادقون فيما أخبروا به، وأن الجزاء حق , كما رأى أنموذجه في دار الدنيا.
قال تعالى: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء الله مِنَ الصَّابِرِينَ)