فهذا ـ كما هو واضح ـ لا علاقة له بالأمور المادية، ولكن علاقته بالأمور الإيمانية، ومن أمثلة ذلك ما نسمعه عن الذين دخلوا البورصة بأثمان بيعهم لبيوتهم، ثم خسروا وانكسروا، فهذا البعد، بعد إيماني غيبي لم ينبه عليه إلا في الاقتصاد الإسلامي، ولا يعترف به الاقتصاد الملحد الذي لا يبني الاقتصاد على الإيمان بالله تعالى، الممحوق البركة، الذي ملأ العالم جشعًا وفسادا.
***ومن الأمثلة أيضا: ما رواه مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) (11) ، فهذا المعيار خاص في الاقتصاد الإسلامي، وفيه يبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الزيادة والنقصان للمال، تؤثر فيهما الصدقة على الفقراء ابتغاء وجه الله تعالى، وذلك من جهتين:
أحدهما: أن الله تعالى يدفع عن المسلم من البلاء والمصائب، بسبب الصدقة، بما لو لم يتصدق لاجتاحت ماله وهو لا يدري.
الثانية: أن الله تعالى يجعل في المال القليل نفعا أكثر من المال الكثير.
وهذه أهم خصائص الإسلام بشكل عام، فإنه لا يعتمد إلا على الوحي، فهو نظام مستقل قائم بذاته مصدره الوحي الإلهي.
وفي الإسلام كل النظريات الأخرى في الاقتصاد وغيره، إنما تقاس على الوحي، فما عارض الوحي منها ردّ، فالمعيار المطلق هو موافقة الوحي فحسب، والواقع هو موضع الحكم، وليس مصدر الحكم.
بينما في الاقتصاد الرأسمالي مثلا، المعيار هو النفعية، كما أن الواقع هو موضع الحكم وليس مصدره.
ذلك أن العلمانية هي وعاء الاقتصاد الرأسمالي، وهي مبينة على أساس أن الواقع القائم على الفائدة النفعية هو مصدر الحكم.
وأسس العلمانية الثلاث التي تقوم عليها هي:
المادة والنفعية واللذة، يقابلها عندنا الإيمان بالله تعالى والرسول والسعادة الأخروية.