ولا يجوز لنا التشنيع ولا التبديع ولا التفسيق لأحد من سلف الأمة المشهود لهم بالخير، إذا علم أنه خالف في بعض الأمور القطعية اجتهادًا منه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وليس في ذكر كون المسألة قطعية طعن على من خالفها من المجتهدين كسائر المسائل التي اختلف فيها السلف، وقد تيقنا صحة أحد القولين مثل كون الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد لوضع الحمل، وأن الجماع المجرد عن الإنزال يوجب الغسل، وأن ربا الفضل حرام، والمتعة حرام) الآداب الشرعية 186/ 1
لكل من المختلفين أن يذكر ما يراه حقًا، وينشر ما يراه صوابًا، ويرجح ما يراه الراجح، وله أن يبين أن قول معارضه مرجوح لأن كلمتان العلم لا يجوز، وعلى كل مجتهد أن يذكر ما يعتقد أنه الحق، وإن خالف من خالف من الأئمة والعلماء والأقران.
وقد خالف ابن عمر وابن عباس وغيرهما رضي الله عنهما - عمر بن الخطاب، وأبا بكر الصديق - في متعة الحج، وأفتيا بخلافهما، هذا مع كمال الموالاة للصديق والفاروق.
وكان كل إمام وعالم يفتي بما يراه الصواب وإن خالف غيره، وقد قال الإمام مالك: (ما منا إلا رد ورد عليه إلا صاحب هذا القبر) يعني النبي صلى الله عليه وسلم.
لا يجوز لعالم مجتهد، ولا لإمام عام أن يحمل الناس على رأيه واجتهاده.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عمن ولي أمرًا من أمور المسلمين، ومذهبه لا يجوِّز شركة الأبدان فهل يجوز له منع الناس؟
فأجاب: ليس له منع الناس من مثل ذلك، ولا من نظائره مما يسوغ فيه الاجتهاد، وليس معه بالمنع نص من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا ما هو في معنى ذلك، لا سيما وأكثر العلماء على جواز مثل ذلك، وهو مما يعمل به عامة المسلمين في عامة الأمصار.