سادسا: أن في القرآن آيات كثيرة نسخت أحكامها" [1] ."
وتبعا لذلك نوع القائلون بالنسخ في القرآن النسخ إلى أنواع ثلاثة:
الأول: نسخ التلاوة والحكم معا. [2]
الثاني: نسخ الحكم دون التلاوة. [3]
الثالث: نسخ التلاوة دون الحكم. [4]
"وفوق ما أسلفنا، نجد أن النسخ كما يشير القرآن الكريم لا يخلو من حكمة، وليس فيه شيء من العبث في كثير أو قليل."
إن الله عز وجل يقول في آية البقرة:"ما ننسخ من آية أو ننسها بخير منها أو مثلها"فالحكم الناسخ إذن قد يكون خيرا من الحكم المنسوخ، وقد يكون مثله، ذلك أنه قد يكون أخف منه، ومصدر الخيرية فيه - حين يكون كذلك- أنه أيسر في العمل، وقد يكون أشق منه، ومصدر الخيرية فيه- إن كان من هذا النوع- أنه أعظم مثوبة، وأكثرا أجرا، وقد يكون هو والمنسوخ متماثلين في السهولة أو المشقة، وفي مقدار الأجر، فليس أحدهما أيسر أداء ولا أعظم أجرا، ولكن أسبقهما استنفذ الغاية من شرعه، وأصبح الثاني هو الذي تقتضيه المصلحة، ويتطلبه المجتمع في وضعه الذي تطور إليه ...
(1) - الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م. س.، ج 2، ص 89.
(2) - ويدل على وقوعه سمعا ما ورد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:"كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخت بخمس معلومات، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن"، وهو حديث صحيح"، الزرقاني، م. س.، ج 2، ص 110."
(3) - ويدل على وقوعه آيات كثيرة، منها آية تقديم الصدقة أمام مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم وهي قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة"منسوخة بقوله سبحانه"أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذا لم تفعلوا وثاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله"على معنى أن حكم الآية الأولى منسوخ بحكم الآية الثانية، مع أن تلاوة كلتيهما باقية". الزرقاني، م. س.، ج 2، ص 111."
(4) - يدل على وقوعه ما صحت روايته عن عمر بن الخطاب وأبي بن كعب أنهما قالا:"كان فيما أنزل من القرآن، الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البثة"وأنت تعلم أن هذه الآية لم يعد لها وجود بين دفتي المصحف ولا على ألسنة القراء، مع أن حكمها باق على إحكامه لم ينسخ". الزرقاني، م. س.، ج 2، ص 111."