إن أثر القراءات على لغة العرب عظيمة، فقد حفظت عليهم لغتهم، وضبطت لهم قواعدها، ولذلك نجد أن لغة العرب هي اللغة الوحيدة المنضبطة القواعد عبر التاريخ، وما ذلك إلا لارتباطها بالقرآن الكريم.
وكان من أثر القراءات على لغة العرب أن حفظت لهم أمهات لغاتهم، ذلك لأن القرآن أنزل على سبعة أحرف كما تواتر ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما هذه الأحرف السبعة إلا لغات سبعة من لغات العرب، وهذه اللغات هي أشهرها وأفصحها.
ولولا أنَّ القرآن نزل بها لكانت بعض اللغات ضاعت بسبب العامية التي طغت على الأمصار العربية، ولذا فإن القرآن حفظ لنا هذه اللغات:
وسأكتفي للاستدلال على ذلك بمثالين:
المثال الأول في النحو:
اختلف القراء في قوله تعالى (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام)
فقرأ حمزة والأرحام خفضا، وقرأ الباقون والأرحام نصبا [1] .
فإن هذه القراءة حفظت لنا لغة فصيحة قليلة عند العرب، وهي العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض.
فإن بعض العرب لا يعطفون على الضمير المخفوض إلا بإعادة الخافض، حرفا كان أو اسما، فيقولون: مررت به وبسعد، ولا يقولون: مررت به وسعد.
كما قال تعالى (فَقَالَ لَهَا وَلْلأَرْضِ) (قَالُوا نَعْبُدُ إلهَكَ وَإلهَ أبَائِكَ) .
وقد كادت تختفي هذه اللغة، لولا أن قراءة حمزة حفظتها لنا [2] .
ولخفائها أنكرها بعض النحاة.
قال الأنباري: ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز العطف على الضمير المخفوض وذلك نحو قولك مررت بك وزيد، وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز، أما الكوفيون فاحتجوا بأنْ قالوا الدليل على أنه يجوز أنه قد جاء ذلك في التنزيل وكلام العرب، قال الله تعالى
(1) انظر: السبعة لابن مجاهد 226، التيسير للداني 71.
(2) إملاء ما من به الرحمن للعكبري 165، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك 3/ 392.