اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ النحل:36، وبتحقيقها يكمل المخلوق، وهي الصفة التي وصف الله بها ملائكته وأنبيائه، ونعت بها صفوة خلقه، ووصف بها النبي - صلى الله عليه وسلم - في أكمل أحواله كحال الإسراء، فقال: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الإسراء:1، ولذلك فمن توهم أن المخلوق يخرج من العبودية بوجه من الوجوه فهو أضل الخلق وأجهلهم، ولو نظرنا لوجدنا أن الدين كله داخل في العبادة، فهو يتضمن الذل والخضوع والعبادة في أصل معناها: الذل، وعبادة الله تشمل الذل والمحبة غايتهما، فإن الذل بلا محبة أو المحبة بلا ذل لا تسمى عبادة، والعبادة أمر اختُص الله به، فلا يعبد غيره، فإن جنس المحبة والطاعة الإرضاء والإيتاء لله ورسوله، أما العبادة وما يناسبها فهي لله وحده.
والإخلاص لازم من لوازم العبودية، فلابد للمسلم أن يخلص في عبادته لخالقه جل وعلا، وهذا ما أمرنا به سبحانه عندما قال: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} البينة:5، وغيرها من الآيات، وجاء في حلية طالب العلم:"قال بعض العلماء: العلم صلاة السر، وعبادة القلب، وعليه فإن شرط العبادة إخلاص النية لله سبحانه وتعالى فإن فقَد العلم إخلاص النية، انتقل من أفضل الطاعات إلى أحط المخالفات، ولا شئ يحطم العلم مثل الرياء، رياء شرك، أو رياء إخلاص، وعليه فالتزم التخلص من كل ما يشوب نيتك في صدق الطلب، كحب الظهور، والتفوق على الأقران، وجعله سلمًا لأغراض وأعراض، من جاه، أو مال، أو تعظيم، أو سمعة، أو طلب محمدة، أو صرف وجوه الناس إليك، فإن هذه وأمثالها إذا شابت النية، أفسدتها، وذهبت بركة العلم، ولهذا يتعين عليك أن تحمى نيتك من شوب الإرادة لغير الله تعالى، بل وتحمى الحمى" [1] .
وكذلك لا بد من الصدق في التوجه بالعبادة للخالق جل شأنه: بأن يبذل المؤمن جهده في امتثال ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} التوبة 119، ولا بد كذلك من متابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيعبد العابد الله تعالى وفق ما شَرَع عزّ وجلّ لا بحسب ما يهوى المخلوق ويبتدع، وهذا هو المقصود باتّباع النبي المرسل من عند الله، فلا بد من الإخلاص والصدق والمتابعة فإذا عُرفت هذه الأمور تبين لنا أن كل ما يضاد هذه التعاريف فهو من العبودية للناس، فالرياء هو عبودية للناس، والشرك عبودية للناس، وترك الأوامر واسخاط الرب مقابل رضى الناس عبودية للناس، وكلّ من قدّم طاعة هواه على طاعة ربه فقد خرج عن مقتضى العبودية، وخالف المنهج
(1) حلية طالب العلم - بكر أبو زيد- مؤسسة قرطبة، ط 3، 1409 هـ - (1/ 4)