وهناك كلمات مرادفة للتدبر وتأتي في معناه، كما قال ابن القيِّمِ:"ويقربُ من معنى التَّدبُّرِ، التَّفكُّرُ والتَّذكُّرُ والنَّظرُ والتَّأملُّ والاعتبارُ والاستبصارُ، وقد وردت هذه المعاني في القرآن في مواطن. وهذا يسمَّى تفكُّرًا وتذكُّرًا ونظرًا وتأمُّلًا واعتبارًا وتدبُّرًا واستبصارًا، وهذه معانٍ متقاربةٌ تجتمع في شيءٍ وتتفرقُ في آخر. ويسمَّى تفكُّرًا، لأنه استعمالُ الفكرةِ في ذلك، وإحضارُها عنده. ويسمَّى تذكُّرًا، لأنَّه إحضارٌ للعلمِ الذي يجب مراعاته بعد ذهولِه وغيبتِه عنه، ومنه قوله: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} الأعراف: 201. ويسمَّى نظرًا، لأنَّه التفاتٌ بالقلبِ إلى المنظورِ فيه. ويسمَّى تأمُّلًا، لأنه مراجعةٌ للنَّظرِ كرَّةً بعد كرَّةٍ، حتى يتجلَّى له وينكشف لقلبِه. ويُسَمَّى اعتبارًا، وهو افتعالٌ من العبورِ، لأنَّه يَعْبُرُ منه إلى غيرِه، فَيَعْبُرُ من ذلك الذي قد فَكَّرَ فيه إلى معرفةٍ ثالثةٍ، وهي المقصود من الاعتبار، ولهذا يُسَمَّى عِبْرَةً، قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى} النازعات: 26، وقال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} آل عمران: 13. ويُسمَّى تدبُّرًا، لأنَّه نظرَ في أدبارِ الأمورِ، وهي أواخرُها وعواقبها، ومنه تدبُّرُ القول ..." [1]
دعا الله عزّ وجلّ عباده إلى التدبر فيما أنزله إليهم من آيات كتابه العزيز بصور متعددة، فبين أن هذا التدبر هو المقصود بإنزال القرآن، وأوجب تدبر كتابه العزيز بدلالة قوله: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} ص: 29، قال ابن كثير:"في هذه الآية بين الله أن الغرض الأساس من إنزال القرآن هو التدبر والتذكر لا مجرد التلاوة على عظم أجرها، وقال الحسن البصري:"والله! ما تدبُّره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله، ما يرى له القرآنُ في خُلق ولا عمل" [2] ."
وأنكر القرآن على من أعرض عن تدبره كما في قوله: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ} المؤمنون: 68. وقال جل شأنه: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} النساء: 82، جاء في تفسير الطبري قوله:"عن الضحاك قال: يتدبرون النظر فيه، ويتفكرون في حججه التي بينها لهم في تنزيله" [3] .
(1) مفتاح دار السعادة- محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية-دار الكتب العلمية - بيروت - (1: 182)
(2) تفسير ابن كثير - 7/ 64
(3) تفسير الطبري - (7/ 252)