يعمل بموجبه، فلا يسمى عاقلًا من عرف الشر فطلبه والخير فتركه" [1] ."
ولم تُستخدم كلمة العقل في القرآن الكريم ولا في السنة المطهرة لتشير إلى عضو التفكير مطلقًا، كما لم ترد كلمة العقل على المصدرية في القرآن الكريم، وإنما استُخدمت الكلمة بصيغة الجمع على: يعقلون، وتعقلون، ونعقل، وعقلوه، ويعقلها، وذلك في تسع وأربعين موضعًا، ولم ترد بصيغة الماضي إلا مرة واحدة، ووردت في باقي المواضع بصيغة الحاضر أو المستقبل.
وجاء في المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام:"والمعنى المستفاد من هذه الصيغ غالبًا هو لفت الانتباه للتفكير من أجل إدراك العاقبة واتخاذ خطوة نحو العمل، وهو بذلك يكون في معناه أوسع من مجرد التفكير، فنحن إذا فكرنا ننتج الفكرة، أما إذا عقلنا فندرك ما وراء هذه الفكرة من أبعاد متعلقة بالتصديق والعمل، فالسمة الأساسية للعقل وفق اصطلاح الكتاب والسنة هي إدراك العاقبة المنشودة والعمل لها والثبات على ذلك" [2] .
ومما سبق من آراء العلماء في تعريفهم للعقل يمكن أن نخلص إلى تعريف جامع لهذه الآراء بأن العقل: غريزة وضعها الله في قلوب الممتحنين من عباده تابعة للروح موضوعة في الجانب الغيببي من قلب الإنسان لا نعرف كيفيتها، ولكن نتعرف على وجودها ووجود أوصافها من أفعال الإنسان في ظاهر البدن، فيقال هذا عاقل إذا فعل أفعال العقلاء، وهذا مجنون إذا لم يتصف بها، قال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} الحج: (46) ، فالآية تدل على أن العقل موجود في القلب، قال الثعالبي في الجواهر الحسان:"هذه الآية تقتضى أن العقل في القلب وذلك هو الحق، ولا ينكر أن للدماغ اتصالًا بالقلب يوجب فساد العقل متى اختل الدماغ" [3] .
من الوسائل التي دعا لها القرآن لسبر أغوار البحث العلمي استعمال العقل للوقوف على قدرة الله تعالى في الكون والتفكر في مخلوقاته، وأكثر ما ذكر فعل العقل في القرآن جاء في الكلام على آيات الله وكون المخاطبين والذين يفهمونها ويهتدون بها هم العقلاء، ويراد بهذه الآيات في الغالب آيات الكون الدالة على
(1) مجموع الفتاوى- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني -المحقق: أنور الباز - عامر الجزار-الناشر: دار الوفاء-الطبعة: الثالثة، 1426 هـ / 2005 م- (1/ 244)
(2) المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام - (14/ 102)
(3) الجواهر الحسان في تفسير القرآن (تفسير الثعالبي) -أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي- مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت- (3/ 35)