الصفحة 11 من 24

علم الله ومشيئته وحكمته ورحمته، كقوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} البقرة: 164، ويلي ذلك في الكثرة آيات كتابه التشريعية ووصاياه، كقوله في تفصيل الوصايا الجامعة من أواخر سورة الأنعام: {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} الأنعام: 151، وكرر قوله: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} أكثر من عشر مرات كأمر لرسوله أن يحتج على قومه بكون القرآن من عند الله لا من عنده بقوله: {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} يونس: 16، وجعل إهمال استعمال العقل سبب عذاب الآخرة بقوله في أهل النار من سورة الملك: ... {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} الملك: 10، وفي معناه قوله تعالى من سورة الأعراف: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} الأعراف: 179، وقوله في سورة الحج: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} الحج: (46) " [1] ."

وكدليل على اهتمام القرآن الكريم بالعقل ورفع شأنه ومكانته نرى اهتمامه المتعاظم ودعوته المستمرة لرفع شأن العقل وتكوين عقلية مستقلة تضع الأمر موضع الاختبار والنظر إليه في ضوء العقل، وبميزانه المستقل، ونحن ملزمون بما تهتدي إليه عقولنا، وما ينتهي إليه تفكيرنا، ولهذا شن القرآن حملة عنيفة على الجمود والتقليد في كل صوره، يقول تعالي: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} البقرة: (170) " [2] ."

ودعا القرآن إلى تأسيس العقلية التي ترفض الظن في كل موضع يطلب فيه اليقين، كما في مقام تأسيس العقائد التى تقوم عليها نظرة الإنسان إلى الوجود، وأنكر على المشركين إتباعهم الظن في هذه القضايا الكبرى التي لا يكفي فيها الظن، بل لابد فيها من العلم، أي العلم اليقيني، فقال: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} يونس: (36)

وكذلك نطالع دعوة القرآن الكريم إلى إنشاء العقلية الراشدة التي ترفض الهوى والعاطفة، فالهوى يعمي ويصم، وإتباع العواطف قد يضلل الإنسان عن الحق، ولاغرو أن جاء في الحديث

(1) تفسير المنار- محمد رشيد بن علي رضا - الهيئة المصرية العامة للكتاب-1990 م - (11/ 202)

(2) مفهوم العلم وتكوين العقلية العلمية في القرآن الكريم - (1/ 20)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت