الصحيح: «لا يحكم الحاكم بين اثنين وهو ... غضبان» [1] ، لأن انفعال الغضب يسد عليه منافذ الإدراك الصحيح لجوانب القضية المختلفة فيظهر حكمه غير سليم، ولهذا عاب القرآن على المشركين هذين الأمرين: اتباع الظن وهوي الأنفس معًا، فقال في شأن أصنامهم التى اتخذوها آلهة: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} النجم: (23) . وقال تعالي لداوود ناهيًا له عن اتباع الهوى: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} ص: (26) .
وفى مقابل هذه العقلية المتبعة، توجد عقلية أخري مخالفة، لها مواصفاتها وخصائصها، وهي التي عمل القرآن بآياته المشرعة والموجهة على إنشائها، وصياغتها، وإبرازها لتقوم بدورها في الحياة، وقد سماها الشيخ القرضاوي بالعقلية العلمية - وقد أحسن في هذه التسمية - فقال عنها:"والعقلية العلمية في نظر القرآن: هي التي ترفض الجمود على ما كان عليه الآباء والأجداد، أو التسليم المطلق لما عليه السلف المعظمون، ... ولا تقبل أن تقلد هؤلاء أو أولئك فيما اعتقدوه أو فعلوه، ومن المقرر المعلوم أنه لا يمكن أن يزدهر العلم، وتتأصل جذوره، وتمتد فروعه، بل لا يمكن أن ينشأ علم صحيح إلا في مناخ نفسي وفكري يهيئ للعقول أن تفكر، وللأفكار أن تتفتح، وللآراء أن تناقش، ولصاحب الحجة أن يدلي بحجته، وهذا ما يعمل القرآن على إيجاده في الحياة الإسلامية، وبعبارة أخرى: يعمل القرآن بدعوته القوية، وبتوجيهاته المتكررة على تكوين العقلية العلمية المتحررة، التي لاينهض علم إلا على عاتقها، فهو يرفض العقلية الخرافية، ويرفض العقلية المقلدة ويرفض العقلية المتخرصة ويرفض العقلية المتبعة للهوي" [2] .
جاء الإسلام لإصلاح هذه الأوضاع الفاسدة التي كانت سائدة في المجتمعات، وتحرير الإنسان من الأغلال الجاثمة على عقله وفكره، وكانت مهمة القرآن هي العمل على إبطال القاعدة الخاطئة {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} الزخرف: (22) ، وتحرير الإنسان من أغلال الحجر العقلي، وسيطرة التبعية العمياء، وتربيته على حرية الفكر واستقلال الإرادة، ليكمل بذلك عقله ويستقيم تفكيره وتتهذب قواه، فوجَّه القرآن الفكر إلى كل ما من شأنه أن يدعو إلى استعمال العقل والتدبر والتأمل حتى تزول تلك الحجب الكثيفة التي تحول بين العقل والرؤيا الصحيحة للأشياء، وليخلق أمة جديدة هي أمة القرآن
(1) الجامع الصحيح (سنن الترمذي) -محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي السلمي- دار إحياء التراث العربي-بيروت- تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون- باب لا يقضي القاضي وهو غضبان -ج 3 /ص 620 - حديث رقم: 1334
(2) مفهوم العلم وتكوين العقلية العلمية في القرآن الكريم - (1/ 17)