العاقلة المفكرة الباحثة الدارسة التي تعلي من شأن العقل وتستخدمه في مختلف شؤونها، وتفتح أمامه آفاقًا غير محدودة لاستكناه حقائق الوجود في هذا العالم الكبير، ولقد اشتملت توجيهات القرآن العقلية على أصول ومبادئ عامة صلحت لأن تكون منهجًا فكريًا سليمًا ومكنت هذه المبادئ والتوجيهات المسلمين من الاستفادة من تلك الدرة الإلهية التي منحها الله للإنسان وهي: (العقل) فنمته وجعلته يمارس الوظيفة الأساسية التي خلق من أجلها، وطالَب القرآن كل ذي عقل بالنظر في عوالم السموات والأرض وما فيهما من الدلائل الواضحة، واستنهض العقول، ووجه الأفهام، وأيقظ الحواس، ونبه المشاعر، بالتعقيب على بيان الآيات الكونية والتشريعية بمثل قوله تعالى {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} الرعد: (4) ،النحل: (12) ،الروم: (24) ، وقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى} طه: (54،128) وقوله: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} الرعد: (19) ،الزمر: (9) .
وأننا موقنون بأن القرآن إضافة إلى تعدد إعجازاته، فإنه الكتاب السماوي الوحيد الذي خاطب العقل الإنساني والفكر البشري، وأن الله جلت قدرته قد ميز الإنسان وفضله عن سائر خلقه، بأن وهبه العقل للتدبر والتفكر والتأمل والتمحيص، فالقرآن الكريم في مجمل آياته يدعو إلى شحذ الهمم وتركيز البصيرة واستخدام العقل لتطوير منهجية حياة الإنسان.
المطلب الثالث
التدبر والتفكر
القسم الأول: معانٍ وحقائق:
إن تدبر القرآن هو أرفع صور تلاوته وترتيله التي جاءت نصوص القرآن الكريم ببيان فضلها وثوابها، والتدبر هو الذي يساعد قارئ القرآن على النهم من خيراته وفضائله.
قال ابن منظور في لسان العرب:"التدبر لغة: دبر الأمر وتدبره نظر في عاقبته، واستدبره رأى في عاقبته ما لم ير في صدره، وعرف الأمر تدبرًا أي بآخره، والتدبير في الأمر أن تنظر إلى ما تؤول إليه عاقبته، والتدبر: التفكر فيه، ويقال إن فلانًا لو استقبل من أمره ما استدبره لهدي لوجهة أمره، أي لو علم في بدء أمره ما علمه في آخره لاسترشد لأمره والتدبير أن يتدبر الرجل أمره، ويدبره أي ينظر في عواقبه" [1] .
وجاء تعريفهما في دستور العلماء"التدبر: النظر في عواقب الأمور وهو قريب من الفكر،"
(1) لسان العرب- محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي -دار صادر -بيروت-الطبعة الأولى، مادة: (دبر) 4/ 273