نصر هذا من أهل العلم والديانة والعمل الصالح والاجتهاد في الخير، وكان من أئمة السنة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وكان ممن يدعو إلى القول بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وكان الواثق من أشد الناس في القول بخلق القرآن، يدعو إليه ليلا ونهارا، اعتمادا على ما كان عليه أبوه قبله وعمه المأمون، من غير دليل ولا برهان، ولا حجة ولا بيان، ولا سنة ولا قرآن. فقام أحمد بن نصر هذا يدعو إلى الله وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، في أشياء كثيرة دعا الناس إليها. فاجتمع عليه جماعة من أهل بغداد، وألتف عليه من الألوف أعداد وانتصب للدعوة إلى أحمد بن نصر هذا رجلان وهما أبو هارون السراج يدعو الجانب الشرقي، وآخر يقال له طالب يدعو أهل الجانب الغربي فاجتمع عليه من الخلائق ألوف كثيرة، وجماعات غزيرة، فلما كان شهر شعبان من هذه السنة انتظمت البيعة لأحمد بن نصر الخزاعي في السر على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والخروج على السلطان لبدعته ودعوته إلى القول بخلق القرآن، ولما هو عليه هو وأمراؤه وحاشيته من المعاصي والفواحش وغيرها].
بعد هذا السرد للأمثلة، هذه بعض أقوال أهل العلم في الخروج على حكام الجور:
قال الجصاص في كتابه (: أحكام القرآن 1/ 86) : وكان مذهبه - أي أبا حنيفة - مشهورا في قتال الظلمة وأئمة الجور. اهـ
و رأينا موقف الإمام مالك في تأييده لمن خرج على أبي جعفر المنصور.
بل رضي الله عنه لمّا كان يُسأل عن القتال مع الخلفاء ضدّ من خرج عليهم يقول (كما في كتاب تبصرة الحكام 2/ 96) : إن كان الخليفة مثل عمر بن عبد العزيز فقاتل معه، وإن كان مثل هؤلاء الظلمة، فلا تقاتل معهم. اهـ
قال القرطبي وهو على مذهب إمام مالك (أحكام القرآن 1/ 271) : الإمام إذا نصب ثمّ فسق بعد إبرام العقد، فقال الجمهور إنّه تنفسخ إمامته ويخلع بالفسق الظاهر المعلوم. اهـ
قال ابن حزم (الفصل في الملل والنحل(4/ 171) : إنّ سلّ السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إذا لم يكن دفع المنكر إلاّ بذلك .. وهذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكلّ من معه من الصحابة، وقول أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وطلحة والزبير وكلّ من كان معهم من الصّحابة، وقول معاوية وعمرو، والنعمان بن بشير وغيرهم ممّن معهم من الصحابة رضي الله عنهم، وهو قول عبد الله بن الزبير ومحمد بن الحسن بن علي وبقية الصحابة من