المهاجرين والأنصار القائمين يوم الحرّة رضي الله عنهم، وقول كلّ من قام على الفاسق الحجاج ومن والاه من الصحابة رضي الله عنهم كأنس بن مالك وكلّ من كان ممّن ذكرنا من أفاضل التابعين .. ثمّ من بعد هؤلاء من تابعي التابعين ومن بعدهم كعبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر، ومحمد بن عجلان ومن خرج مع محمد بن عبد الله بن الحسن وهاشم بن بشر ومطر الورّاق، ومن خرج مع إبراهيم بن عبد الله، وهو الّذي تدلّ عليه أقوال الفقهاء كأبي حنيفة والحسن بن علي وشريك ومالك والشافعي وداود وأصحابهم، فإنّ كلّ من ذكرنا من قديم وحديث إمّا ناطق بذلك في فتواه وإمّا فاعل لذلك سلّ سيفه في إنكار ما رأوه منكرا. اهـ
و من الكلمات المحرّضة على الخروج على الحاكم الفاجر: كانت هذه الكلمات المحرّضة من العلماء الربّانيين أثناء خروجهم عمليا على الحجاج: (أنظر تاريخ خليفة بن خياط ص: 286 - 287، وتاريخ ابن جرير 3/ 631) قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: يا معشر القرّاء، إنّ الفرار ليس بأحد من الناس بأقبح منه بكم، إنّي سمعتُ عليّا رفع الله درجته في الصّالحين وأثابه أحسن ثواب الشهداء والصّديقين يقول يوم لقينا أهل الشام: أيّها المؤمنون، إنّه من رأى عدونا يُعمل به، ومنكرا يُدعى إليه، فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ، ومن أنكر بلسانه فقد أجر، وهو أفضل من صاحبه، ومن أنكر بالسيف لتكون كلمة الله العليا وكلمة الظّالمين السّفلى، فذلك الّذي أصاب سبيل الهدى، ونور في قلبه اليقين، فقاتلوا هؤلاء المحلين المحدثين المبتدعين، الّذين قد جهلوا الحقّ فلا يعرفونه، وعملوا بالعدوان فلا ينكرونه. اهـ
و قال أبو البختري: أيّها النّاس، قاتلوهم على دينكم ودنياكم، فو الله لئن ظهروا عليكم ليفسدن عليكم دينكم، وليغلبن على دنياكم. اهـ
و قال الشعبي: يا أهل الإسلام، قاتلوهم ولا يأخذكم حرج من قتالهم، فو الله ما أعلم قوما على بسيط الأرض أعمل بظلم، ولا أجور منهم في الحكم، فليكن بهم البدار. اهـ
و قال سعيد بن جبير: قاتلوهم ولا تأثموا من قتالهم بنيّة ويقين، وعليّ آثامهم، قاتلوهم على جورهم في الحكم، وتجبّرهم في الدّين، واستذلالهم الضعفاء، وإماتتهم الصّلاة (أقول: حيث كانوا يؤخّرون بعض أوقاتها عن وقتها الفاضل) .اهـ
هذا ما كان عليه علماء السلف المتقدّمين بأنّ جمهورهم كان مع الخروج على الحاكم الفاجر مع تطبيقه شرع الله تعالى في الجملة، أمّا عند متأخريهم فقد ظهر الخلاف بينهم في مشروعية هذا الخروج، حتّى زعم بعضهم أنّ الأمر استقرّ عند عدم مشروعية الخروج على حاكم جائر.