ولندع هذا الموضوع، ولنعد إلى التفسير فنقول:
{بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} : إضراب عن مقدر ينساق إليه الكلام، كأنه قيل: ولكن أنتم لا تزكون أنفسكم بل تؤثرون. وأما قوله: {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} فهي جملة في محل النصب على الحال من فاعل تؤثرون، مؤكدة للتوبيخ والعتاب، أي تؤثرونها على الآخرة والحال أن الآخرة خير في نفسها، كما أن نعيمها مع كونه في غاية ما يكون من اللذة والبهجة خالص من جميع الشوائب والمنغصات، مع كونه أبديا لا انصرام له. ولله در القائل:
أشد الغم عندي في سرور . . . تيقن عنه صاحبه انتقالا
قال ابن مسعود لأسحابه يوما: أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة؟ فقالوا: لا، قال:"لأن الدنيا أحضرت وعجل لنا طعامها وشرابها ونساؤها ولذاتها وبهجتها، وأن الآخرة زويت عنا، فأحببنا العاجل وتركنا الآجل". وذلك مصداق قوله تعالى: {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ} . وأي قدر للدنيا التي يزيد منكرها على معروفها، ولا يقي مرجوها بمخوفها، إن أحسنت مرة أساءت مرارا، سلامتها مقدمة السقم، وشبابها يسوق إلى الهرم، ونعيمها الزائل لا يثمر إلا الحسرة والندم، إن أعطت واحدة من بنيها جميع ما طلعت عليه الشمس، جعلته حصيدا كأن لم يغن بالأمس تمنى أصحابها سرورا، وتعدهم غرورا، حتى يأملون كثيرا، ويبنون