وأبلغ وصف لها ما جاء في سورة الحديد من قوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} .
وكيف يؤثر العاقل الدنيا على الآخرة مع كون الآخرة مشتملة على السعادة الجسمانية والروحانية، والدنيا ليست كذلك، والدنيا بعد ذلك ممتزج خيرها بشرها ونعيمها بألمها، ومع تلك العيوب كلها فالدنيا فانية والآخرة باقية، والباقي خير من الفاني بالضرورة.
ثم قال تعالى: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} : يعني أن فلاح من تزكى. . . إلخ. منصوص عليه في صحف إبراهيم وموسى. وقيل: إن الإشارة راجعة لكل ما في السورة. والظاهر أنها راجعة لقوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} .. إلخ. ويدل له بعض ما ورد في كتب السنة.
هذا وقد روي عن أبي ذر أنه قال: يا رسول الله: ما كانت صحف إبراهيم وموسى؟ قال:"كانت عبرا كلها، عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبت لمن أيقن بالنار كيف يضحك، عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم يغضب، عجبت لمن أيقن بالحساب ثم لا يعمل"أخرجه ابن الأثير في جامعه.