أودعه الله فيك، وذلك السر الذي أشير إليه بقوله - صلى الله عليه وسلم:"إن الله خلق آدم على صورته"أن جعله قادرا مريدا، عالمًا سميعا بصيرًا، إلى غير ذلك من النعوت الجليلة والصفات الجميلة.
ويقول الله لإبليس: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} فانظر إلى ذلك التشريف الذي يسير إلى غاية العناية بالإنسان، حيث خلق باليدين جميعًا، بخلاف غيره من المخلوقات. ثم انظر كيف نزل من أوج ذلك العز الشامخ الذي كان به في أعلى عليين مع الأنبياء والمرسلين، إلى حضيض الحيوانات، يرتع في الظلمات، ويتقلب في صنوف الآفات، لمقتضى شهواته البهيمية، وانهماكه في مطالبه البدنية. ولله در أحد أئمة الشافعية حيث يقول:
إلى كم تمادى في غرور وغفلة . . . وكم هكذا نوم إلى غير يقظة
أترضى من العيش اللذيذ تعيشه . . . مع الملأ الأعلى بعيش البهيمة
لقد ضاع عمر ساعة منه تشتري . . . بملء السما والأرض أية ضيعة
فيادرة بين المزابل أرميت . . . وجوهرة بيعت بأبخس قيمة
أفان بباق تشتريه سفاهة . . . وسخطأ برضوان ونارًا بجنة
أأنت عدو أم صديق لنفسه . . . فإنك ترميها بكل مصيبة
ولو فعل الأعدا بنفسك بعض ما . . . فعلت لمستهم لها بعض رحمة
فيا عاملا للنار جسمك لين . . . فجربه مرات بحر الظهيرة
وجربه في لسع الزنانير تجترى . . . علىِ لسع حيات هناك عظيمة